كتاب وأراء

بين العلم والإيمان

لن تُحل إشكاليتنا المستمرة بين الدين والدنيا،طالما نتحرك فقط ضمن دائرة الايمان، لدينا خلط خطير جدا بين الايمان والعلم، نتكلم كثيرا عن العلم ونقصد به الدين، وعلماؤنا هم رجال الدين، وأعلامنا هم شيوخ الدين، لذلك نحن نتحرك ضمن دائرة الايمان ونعتقد أنها دائرة العلم. لو كان هذا صحيحا لحلت جميع مشاكلنا الاجتماعية والسياسية والاقتصادية وغيرها، كما فعل غيرنا من الأقوام. الدنيا ومشاكلها وتغير ظروفها تقع ضمن دائرة «العلم» العلم هو اكتشاف القوانين والنظريات والسنن الموجودة في الكون ليتمكن الإنسان من السيطرة عليه وإخضاعها لسيطرته وفهم معادلاته وزواياه كما يفعل الغرب والشرق اللذان نعيش بفضلهما في كل هذا التقدم، علم الكلام ليس علما، صفات الله وأسماؤه ليست علما،الفرق الإسلامية كلها ليست علما والفتوى ليست علما، بل هي رأي هذه تقع ضمن دائرة الدين الذي يقتضي الإيمان أو عدمه. نحن نراوح في مكاننا، وننشئ الجامعات والمدارس والكليات التي تخرج طلبة لا يدركون الفرق بين الايمان والعلم فتجذبهم العاطفة إلى دائرة الدين على انها دائرة العلم فأفضلهم يصبح باحثا في الاعجاز العلمي في القرآن، وهو كتاب هداية ورشد وليس مجالا لذلك أصلا،في حين ان الاعجاز الالهي في الكون وهو كتاب الله الآخر حقل العلم الحقيقي وهنا يظهر بوضوح انسيابنا كأمة من دائرة العلم الحقيقي التي هي الطبيعة وقوانينها إلى دائرة القران كتاب الايمان والتصديق واعتقدنا أن هذا هو العلم وأن مشايخ الدين والفضائيات هم العلماء الذين ساقوا الأمة إلى حتفها ومقتلها ولا يزالون. نحن كأمة نعيش ضمن دائرة الدين منذ العصر الأول ولم نصل بعد إلى دائرة العلم ولذلك تشخيصنا للأمور والخلافات تشخيص ديني بحت، الفتنة، كربلاء جديدة، رافضة، ناصبة، خوارج، خلافة....الخ، ثم نبحث عن حلول من ضمن هذه الدائرة في التعامل مع رؤوس ومشايخ هذه الفرق والتكتلات الدينية التي تقاتل بعضها بعضا بعد ان عجزت من ان تقاتل من هم في دائرة العلم. لذلك اصبحنا صيدا سهلا لعالم العلم والعلماء، يصطادوننا «بالدرون» الطائرة بدون طيار، وبصواريخ كروز وستنغر وغيرها، وسياسيا يضعون لنا الخطط والحدود والاتفاقيات،لان هذا مجال العلم الجديد علينا والذي لم ندخله بعد، والذي كذلك لا نحفظ منه سوى اسمه ولا نعرف منه حسب فهمنا لمفهوم العلم، سوى نواقض الوضوء وسياقة المرأة وإرضاع الكبير والتبرك ببول الرسول صلى الله عليه وسلم. تنميتنا التي قامت باسم العلم أدخلت العلم ضمن دائرة الدين لمصالح سياسية فأصبح اكبر عالم في البلاد مفتيها وأفضل شخصية تكرم سنويا من يحفظ القرآن حفظا من الاولاد الصغار الذين لايدركون حتى معنى ما يحفظون. وبدلا من تنمية الإنسان، جرت تنمية عقلية مطلقة ترى ان مرضاة الله لا تمر من خلال الإنسان ذاته، وإنما من خلال ما يعتقده المسلم أنه حقيقة لا جدال فيها ولا تقبل الاقتسام، لذلك سارت الأمة فوق جثث بعضها البعض، لأن «العلم» الذي قامت عليه يرى أن المسلم هو الإنسان الوحيد وأن باقي الخلق زائدون عن الحاجة، وهكذا تضيق الدائرة حتى يصبح المسلم يقتل وينحر المسلم الآخر ليس فقط باسم الدين ولكن كذلك باسم «العلم» الذي قدمنا له كفتوى تبيح له ذلك.
بقلم : عبدالعزيز الخاطر

عبدالعزيز محمد الخاطر