كتاب وأراء

تساؤل حيوي : هل الدخل القومي مقياس للسعادة ؟

هذا الموضوع هو من خارج السياق العام للأحداث الساخنة أو للاهتمامات العامة. انه يتعلق بقرار قديم صادقت عليه الجمعية العامة للأمم المتحدة بالإجماع في عام 2011، ورقمه 309/65. يعلن القرار أن السعادة هي هدف أساسي للإنسانية. وان مقياس الدخل القومي لا يعبّر أبداً عن هذه السعادة. ولذلك لا بد من وضع مقياس للسعادة معتمد دولياً. وقد تولت لجنة دولية تضم علماء من الحائزين على جائزة نوبل للسلام وضع هذا المقياس بالفعل.
في الأساس انطلقت الفكرة من أفقر دولة في العالم، ولكنها تحتلّ المرتبة الثامنة بين الدول الأكثر سعادة. هذه الدولة، مملكة بوتان في الهمالايا، التي يصل عدد سكانها إلى المليون شخص، يبلغ معدل الدخل الفردي 110 دولارات في الشهر. ولذلك لا يسدد معظمهم أي ضريبة، لأن الضرائب مفروضة فقط على من يتجاوز دخله الألفي دولار.
وهذا يعني ان دولة من دون ضرائب ومن دون ثروة طبيعية، هي دولة فقيرة. ولكن الفقر هنا لا يعني التعاسة. بل على العكس، فان بوتان التي تنحشر بين ماردين جبارين في آسيا، هما الهند والصين، تتمتع بالأمن والاستقرار وبالاكتفاء الذاتي.. ويتمتع شعبها الصغير بحالة صحية جيدة، وبمشاعر فياضة من الرضا والسعادة.
قبل 45 عاماً دعا الملك التنين وهو لقب ملك بوتان، وكلمة بوتان تعني أرض التنين بلغة الدزونكا المحلية، دعا إلى عقد مؤتمر دولي لوضع مقياس دولي لسعادة الشعوب يحلّ محلّ مقياس الدخل القومي المعتمد دولياً منذ عقود طويلة. فالدخل القومي لا يتعلق أبداً بسعادة الناس. فكم من شعوب تنعم بدخل قومي مرتفع، إلا انها تغرق في دوامة القلق والاضطراب والسعي اللامتناهي وراء تجميع المال («ألهاكم التكاثر حتى زرتم المقابر»، كما ورد في سورة التكاثر في القرآن الكريم)، من دون أن تعرف طعماً للسعادة.
يومها لم تلقَ تلك الدعوة سوى الاستخفاف وحتى السخرية.. إلى ان تبناها عدد من العلماء مثل الدكتور جوزف ستيفلتز الحائز على جائزة نوبل للآداب، والأمير تشارلز ولي العهد البريطاني، ورجل الأعمال الأميركي جيفري ساخس وسواهم. وعمل اختصاصيون في الاقتصاد والمال والاجتماع وعلم النفس على وضع دراسة شاملة بتكليف من الأمم المتحدة عُرضت على الجمعية العامة، وفي ضوئها صدر القرار 309/65.
اعتبر ملك بوتان صدور القرار الدولي انتصاراً لجدّه الملك الأسبق، صاحب فكرة وضع مقياس للسعادة. والمقياس المعتمد اليوم متعدد الأوجه. انه يتراوح بين حساب وقت المشي والنزهة، ووقت القراءة والتسلية والترفيه، ووقت الطعام ووقت النوم. ويقوم هذا المقياس على أساس المبدأ التالي، وهو ان الحضارة التي نقوم ببنائها ونتفيّأ ظلّها، تتوقف ببساطة على الطريقة التي تقدم فيها حسابات لما نقوم به، لأن ذلك «يغير من القيمة التي نعطيها للأشياء». والقيمة لم تعد قيمة السوق كما هو الأمر في النظام الرأسمالي، ولكنها قيمة تمتع الإنسان بما يعمل.. وبالكيفية التي يعمل فيها.
يقول ملك بوتان: «لا يمكن تحقيق السلام والازدهار والمساواة والأخوة بين الناس اذا لم ندرك اننا في الحسابات الأخيرة شعب واحد نتقاسم الأرض وخيراتها مع مخلوقات أخرى، لها مثلنا حصة في هذا الكوكب».
ولكن في الوقت الذي يغرق فيه العالم بالصراعات السياسية، وفي الوقت الذي يضرب الإرهاب في عمق بعض المجتمعات العربية (العراق وسوريا واليمن وليبيا ولبنان)، والإسلامية (تركيا– الباكستان– أفغانستان– بنغلادش)، والأجنبية (فرنسا والولايات المتحدة)، فإن الحديث عن السعادة ومقياسها وكيفية تحقيقها، يبدو من خارج السياق.. وكأنه صرخة في وادٍ غير ذي زرع!!

بقلم : محمد السماك

محمد السماك