كتاب وأراء

حلقات مهمة جدا..عن النميري!

أترك لكم تخيّل، نميري- حالته الذهنية والنفسية والعصبية- بعد أن قال السفير الأميركي، جملته الأخيرة، وخرج، يتبعه موظف الشنطة،تلك.
أترك لكم، تخيّل، حال السفير الأميركي.. تخيّل ماكان يدور في ذهنه، وهو سيرفع عاجلا، تقريرا عن اللقاء، إلى الخارجية الأميركية، بمجرد أن يصل مكتبه.
وأترك لكم، تخيّل التقرير.
# فلاش باك.
مسألة، تقاعد الرئيس نميري، ظلت لوقت بين القبول والرفض، بين الخارجية الأميركية، والبيت الابيض.
كانت الخارجية، بناء على معلومات سفارتها في الخرطوم، مع التقاعد.. لكن المستشارين في البيت الأبيض، كانوا يرون ان أميركا لن تجد بديلا في افريقيا، في قوة وفاعلية النميري!
ظلت عملية الشد والجذب، لوقت.. وأخيرا، انحاز الرئيس ريغان، للخارجية.
#
أيام....
.... وطلب القصر من الخارجية- هذه المرة- ترتيب لقاء مع السفير الأميركي!
بالطبع، سبق الطلب للخارجية، اجتماع بين النميري ونفسه- أولا- فيما اتخيّل.. واجتماع بينه وبين الدائرة الضيقة جدا، والتي كان يمثلها د. بهاء الدين محمد ادريس، وزير شؤون الرئاسة.
جاء السفير الأميركي إلى القصر، يتبعه الموظف الكبير، ولم تكن في هذه المرة شنطة، تتكدس فيها تقارير طبية، من مستشفى البحرية الأميركية!
السفير( أ. ع) من الخارجية السودانية، كان حاضرا لقاء المرة الثانية.
تكلم النميري، وكانت نبرته هذه المرة، هادئة، تفوح منها رائحة الاعتذار.
بالفعل، بادر يقول: سعادة السفير، إنني متأسف، على ماقلته في الاجتماع السابق. إنني لأرجو ألا يؤثر ماقلته على العلاقة بيني وبين الرئيس ريغان.. أرجو ألا يؤثر على العلاقة بين السودان والولايات المتحدة الأميركية!
هنا، ابتسم السفير الأميركي، وأراح جسده على الكرسي..
ابتسم النميري، وأردف: «بالنسبة لطلب التقاعد، سوف أدرس الاقتراح، واتخذ القرار المناسب!
أترك لكم، تخيل ملامح نميري، وهو يحاول أن يقرأ ردة فعل جملته الأخيرة، في صفحة وجه السفير الأميركي..
أترك لكم،قراءة، تلك الصفحة!
## فلاش باك:
العام 1983، كان عاما حاسما في السودان:
في ذلك العام، اندلع تمرد العقيد جون قرنق، في جنوب السودان.. وفيه أعلن صندوق النقد الدولي، وقف الإقراض للسودان.. وفيه بدأت تلوح بوادر فجوة غذائية.. وفيه أيضا بدأت حركة التململ في النقابات المهنية.
#
من تداعيات الأحداث، في العام 1985، أترك لكم، تخيّل ماكان يدور، في واشنطن عن السودان..
أترككم مع خيالكم، لأتحدث عن أحد أهم الأحداث في العام الذي جاء مباشرة، بعد عام الطلب الأميركي للنميري بالتنحي.
هبط نائب الرئيس ريغان- جورج بوش الكبير- في السودان.
كانت الفجوة الغذائية التي كان يقول بها نظام جعفر نميري قد تحولت إلى مجاعة حقيقية، في الغرب.
صور الذين كانوا يبحثون في بيوت النمل، في دارفور، عن ما يبقيهم على الحياة، كانت قد صفعت الضمير العالمي، خاصة في الغرب.. تماما مثل صور أثداء الأمهات الممطوطة إلى البطن، والمواليد الشيبة، والرجال الذي التصقت بطونهم بظهورهم، وهم يعبرون الحدود من اثيوبيا في قوافل مخيفة إلى السودان.
كان الوضع مأساويا، وكارثيا..
تحرك الغرب- تحديدا أميركا..
وتحرك ضمير الأغنية.. وكانت «وي كان سيف ذا وورلد» الأغنية التي صحّت في العالم نخوة المروءة، في السنين الضنك، العجاف.
زار بوش الأب مناطق المجاعة في دارفور..
وهبطت طائرات الإغاثة ب ( عيش ريغان)
ورفع الدارفوريون أكفهم الخشنة، المعروقة إلى السماء،( اللهم زور ريغان بيتك الحرام)!
في الخرطوم، حيث عاد جورج بوش الإبن، قبل أن يطير إلى اثيوبيا متفقدا مناطق الجوع، حدثت حلقة مهمة جدا، من حلقات الترتيب لـ ( باي باي نميري)
## حتى الحلقة الثالثة.. تذكروا جيدا أن التاريخ الذي يعيد نفسه.. يعيده أحيانا بصورة عبثية!

بقلم : هاشم كرار

هاشم كرار