كتاب وأراء

ترامب وفلسطين .. اختبار صعب للإرادة العربية

انتعشت آمال اليمين المتطرف في إسرائيل مع فوز«الشعبوي» الجمهوري دونالد ترامب بانتخابات الرئاسة الأميركية. ثمة الكثير من الأهداف المجنونة صارت في متناول اليد، بلا أدنى حساب لرد فعل عربي.
منع الآذان في مساجد القدس المحتلة، لن يكون آخر جرائم الصهاينة في فلسطين، ففي جعبتهم الكثير. قبل تمرير هذا القرار في الكينيست، تمت المصادقة على قانون لا يقل خطورة، تم بموجبه دمج البؤر الاستيطانية بالمستوطنات غير الشرعية القائمة على الأراضي المحتلة.
استثمرت إسرائيل وعلى نحو فعال حالة الفوضى القائمة في المنطقة العربية،وشرعت في وقت مبكر بتسريع خطط تهويد الأراضي الفلسطينية المحتلة، مع تركيز مكثف على مدينة القدس، بوصفها رمزا فلسطينيا وعربيا وإسلاميا،لطمس هويتها،وإنهاء الوجود العربي فيها.
التوجه لمنع رفع الآذان في مساجد القدس، ليس خطوة استفزازية، إنها في الجوهر استهداف لهوية فلسطين،إسلاما وعروبة، ومحاولة لشطب قرون من العلاقة التاريخية بين فلسطين والوجود الإسلامي على أرضها،لتبدو وكأنها أرض الميعاد المزعومة.
تتمحور استراتيجية اليمين الصهيوني في المرحلة المقبلة، على استثمار زخم التطرف، لدفع الإدارة الأميركية الجديدة للوفاء بوعدها بنقل السفارة الأميركية إلى القدس المحتلة. الخطوة قد لا تعني شيئا من الناحية العملية، لكنها تنطوي على قدر كبير من الاستفزاز والاستهتار برمزية القدس كمدينة محتلة وفق قرارات الشرعية الدولية.
وعلى مستوى آخر، تسعى إسرائيل إلى انتزاع إعلان أميركي رسمي ونهائي، بموت حل الدولتين في فلسطين،وصولا إلى شطب السلطة الفلسطينية، واستبدالها بإدارة حكم ذاتي، لسكان في مدن محاصرة، دون أرضهم، وتكريس الانفصال النهائي بين الضفة الغربية وقطاع غزة، وتحويل الأخير لمعزل سكاني قائم بحد ذاته بعيدا عن وحدة الجغرافيا لفلسطين التاريخية.
يصعب على المرء أن يتخيل وجود معارضة أميركية لهذه السياسة، بالنظر إلى فريق ترامب قيد التشكيل، فكلهم تقريبا من أشد المناصرين لإسرائيل، والأكثر عداء وحقدا على العرب والمسلمين،لا بل إن بعضهم يتخذ مواقف تفوق في تطرفها اليمين الصهيوني.
لقد أظهر بعض الإسرائيليين في البداية قدرا من الحذر تجاه ترامب، لكن الأيام التالية لفوزه، كشفت عن توجهات إدارته حيال إسرائيل، فسرت موجة من الارتياح في جميع الأوساط الصهيونية. وما يقال اليوم عن الدور الحاسم لصهر ترامب اليهودي في رسم سياسات إدارته المقبلة، يكفي لجعل إسرائيل مطمئنة على علاقتها الحميمة مع البيت الأبيض.
وفي أحدث التقارير الصحفية، يعتقد في واشنطن أن أول مسؤول أجنبي سيقابله ترامب ربما يكون رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتانياهو، في تأكيد على علاقة التوأمة بين الكيان المحتل وأميركا.
في ظل أوضاع عربية شبه منهارة، وإدارة أميركية منحازة بشكل غير مسبوق لإسرائيل، وهيمنة اليمين المتطرف على مقاليد الحكم والمجتمع في إسرائيل،لا يبدو أي شيء مستبعدا. إسرائيل مقتنعة أن هذه هي لحظتها التاريخية التي لا يجب تفويتها، لوأد الحلم الفلسطيني بالدولة والاستقلال، وفرض الحل من جانب واحد على الفلسطينيين، بأقل حد ممكن من المقاومة والممانعة العربية، بعدما أصبحت عواصم العرب هي ساحات الممانعة للقوى التي ادعت يوما حمل لواء مقاومة«العدو الإسرائيلي».
قرار منع رفع الآذان في مساجد فلسطين والقدس تحديدا، سيكون الاختبار العملي لقدرة العرب على الوقوف مجددا في وجه الهجمة الصهيونية.إذا ما مر هذا القرار بتكلفة محسوبة على إسرائيل، فمن بعده سيصبح كل شيء مستباحا.

بقلم : فهد الخيطان

فهد الخيطان