كتاب وأراء

العالم يتغير.. التجارب الميدانية لحرب المستقبل

المسلَّم به أن العالم يتغير، وأن الفكر السياسي والعسكري، يشهد تحولات ضخمة. وهناك قوى كبرى على رأسها الولايات المتحدة تمرست في الخوض من منظور علمي، ودراسات وبحوث، في عمق ما يحدث في العالم، ولأنها استطاعت لقرون طويلة أن تجهز نفسها بأدوات صناعة الأحداث في دول العالم البعيدة عنها، اقتناعا منها بأحقيتها في لعب هذا الدور، في مناطق لها فيها مصالح إستراتيجية وحيوية، فقد كان من بين المجالات التي اهتمت في السنوات العشرين الأخيرة بإعادة صياغتها، بما يحفظ لها نفوذها في العالم، مجال حرب المستقبل، وشكلها المتحول.
ولما كانت مناطق إقليمية في العالم ونحن في عالمنا العربي جزء هام منها هى ميدان التجارب لهذه الحرب في شكلها الجديد، أفلا يستحثنا ذلك، على أن نبدأ بطريقة علمية وعصرية، دراسة ما يصيبنا من هذا التغيير، خاصة ونحن كلنا كعرب على الجانب الآخر من جبهة المواجهة في هذه الحرب؟
إن المجتمع الأكاديمي في أمريكا قد شغل بمناقشات استمرت حتى منتصف التسعينات عن شكل الحرب في المستقبل، واتفق المشاركون فيها على أنها ستتشكل في صورة متغيرة جوهريا. ومع تواصل المناقشات، والتي رافقتها دراسات على المستويات الإستراتيجية والعسكرية، ظهرت في البداية مدرستان أحداهما اتخذت لنفسها عنوان »حرب الفضاء قادمة«، تتحدث عن استخدامها التكنولوجيا المتقدمة، وأنها ستكون حربا قصيرة المدى زمنيا، وتتقاتل فيها التكنولوجيا ضد تكنولوجيا مضادة.
والمدرسة الثانية التي نسب لها مفهوم حرب الجيل الرابع، وترى أن النزاع في هذه الحرب ليس قصير المدى، بل يمتد إلى أجل طويل.
لكن هذا لم يمنع المختصين من اعتبار تكامل المدرستين، وأنهما تكملان بعضهما، خاصة بعد أن استقر في ذهن الاستراتيجيين العسكريين والمفكرين السياسيين أن الحرب قد دخلت ميدانيا شكل حرب الجيل الرابع.
وحرب الجيل الرابع تقوم على استخدام شبكة تنظيمية من عناصر صلبة داخل المجتمع المستهدف، لإدارة معركتها. وهى تختلف عن حروب الأجيال الثلاثة السابقة عليها، في أنها لا تسعى للفوز عن طريق إنزال هزيمة بالقوة العسكرية للخصم، ولكنها تهاجم مباشرة عن طريق الشبكة المحلية التابعة لها عقل صانع القرار لتدمير إرادته السياسية، كما تستهدف عقل المواطن، بتقويض ثقته في قيادته، وفي نفسه، ودفعه للشعور بالإحباط.
ويقدرون لهذه الحرب أن تستمر لأجيال، وتتعدد طرق مهاجمة العقول، بوسائل عديدة، أبرزها وسائل التواصل الاجتماعي مثل الفيس بوك وتويتر، وبث معلومات مصنوعة علميا ومخابراتيا، بدقة متناهية، تعتمد في جزء منها على معلومة صحيحة، ثم تغذي كل ما هو ملفق وزائف، مستغلة ظروفا في المجتمع، تسهل تقبل العقل المستهدف لها، بالإضافة إلى ضغوط مباشرة وغير مباشرة دبلوماسيا، واقتصاديا، وسياسيا.
لقد جاء تطور صورة حرب المستقبل في سياق التغييرات السياسية، والاقتصادية، والاجتماعية، والثقافية، والتكنولوجية، التي غيرت من شكل العالم وعلاقاته. وأدت إلى صعود دول كانت هامشية، فصارت تملك مقومات التأثير على ذاتها، وعلى العالم، والوصول إلى مرتبة التنافس مع قوى كبرى، كانت قد احتكرت قرونا طويلة، السيطرة على العالم دون منافس.
من ثم كان توجه هذه القوى إلى تطوير وسائلها السياسية والعسكرية، خاصة في مجال الحروب، التي لم تعد تفيدها فيها الأشكال التقليدية للحروب، يضاف إلى ذلك، الرفض الداخلى من الرأى العام، للمشاركة في قتال في الخارج، تسقط فيه أعداد من أبنائه قتلى.
إن خطورة هذه التغييرات بالنسبة للدول المستهدفة، ليس فقط بسبب طبيعة إدارة هذه الحروب، وما يحشد وراءها من قدرات، وطاقات، وإمكانات حديثة، لكن الخطورة هى في ثبات دول كثيرة على المفاهيم القديمة للأمن القومي، والعلاقات الدولية، والتي تغيرت بدرجة كبيرة لدى القوى الكبرى.
وهذا أمر ليس من الصعب تداركه، وذلك إذا كانت هناك إرادة سياسية، تبدأ بتنظيم مناقشات علمية، وسياسية، واجتماعية، وثقافية، واقتصادية، تشارك فيها العقول النابهة في كل بلد، وفي إطار منظم، يقسم إلى قضايا وموضوعات، وتناقش فيه ما يجرى في العالم من تحولات، والكيفية التي تستطيع بها الدولة، أن تدرأ عن نفسها أخطار التطورات الجارية في العالم، وشكل الحرب الجديدة التي تستهدفها، منطلقة من جبهات القليل منها مرئي وصريح، والكثير خفي وغير منظور.
وتلك هى البداية الحقيقية لأى إستراتيجية حقيقية، ونافعة، في هذا الزمن المتغير.
بقلم : عاطف الغمري

عاطف الغمري