كتاب وأراء

خيط رفيع بين الدجل والتوقع

من شباك نطل منه على دنيانا نرى فيها العجائب، وتتشوف ظواهر تستوجب التفكير والتأمل، ومنها على سبيل المثال، محاولة لي ذراع الحقيقة التي لا جدال فيها، والقائلة: «كذب المنجمون ولو صدقوا»، لكن منذ أن صدم كثيرون بفوز ترامب برئاسة أميركا، وانتزاعه هذا الانتصار الانتخابي من امرأة كانت تتحدث كل التوقعات عن فوزها، بما فيها استطلاعات الرأي التي توخت احترافية علمية وحيادية في عملها، حتى اتجه الناس– كما العادة- إلى عرافين، هم دجالون، لتفسير هذا الفوز «الترامبي» الغريب، كما لو أن التفسير سيكون لدى قارئي الفنجان و«ضاربي الودع».
البعض فتح مؤلف نبوءات «ميشيل نوستراداموس» الذي يوصف- وهما وكذبا- بأنه أشهر عراف في التاريخ، أو أنه الرجل الذي رأى الغد، وأعادوا قراءتها، فلم يجدوا بين نبوءاته ما يشير إلى هذا الحدث الانتخابي الأميركي الزلزالي الغريب.
ولكن بعضا آخر اتجه إلى أفلام السينما، ومسلسلات التليفزيون، بحثا عن نبوءة بأن ترامب سيفوز بالبيت الأبيض، وكأن السينما العالمية قد أنيط بها وظيفة استشرافية، إذ أن بعض مخرجيها وصانعي أفلامها استعرضوا في أعمالهم عالم الغد، غير ان ما يستوجب التوقف عنده، انه يمكن للسينما ان تستشرف تقنيات الغد بكل ملامحه والخواص والخدمات التي ستقدمها لنا هذه التقنيات، على اعتبار ان كل منتج تقني يكون له تصور في خيال العلماء قبل ان يتحول بأبحاثهم إلى حقيقة، ويمكن للسينما أو التليفزيون، ان تتوقع أحداثا مبنية على فروض ومعطيات، فترى عالما افتراضيا تهندسه فنيا لنا دون ان تقول لنا ان ما يتوقعه الفن ليس لأنه مكشوف عن بصره الحجاب فالأميركيين ضربوا كفا بكف حينما تذكروا المسلسل الكرتوني الشهير «عائلة سيمبسون»، فوجدوه قد توقّع قبل 16 عاماً أن يصل دونالد ترامب إلى المكتب البيضاوي.
ذكرني ذلك بتوقع فيلم مصري: «هي فوضى» للمخرج خالد يوسف بوقوع ثورة 25 يناير في مصر، وايضا فيلم «العصفور» للراجل يوسف شاهين، فقد حفلت السينما المصرية والعالمية بالعديد من الأفلام التي تنبأت بحدوث بعض الوقائع المستقبلية على نحو يدهش مشاهديها.
غير ان الفارق بيننا وبين الأميركيين وغيرهم، اننا نستضيف في بعض فضائياتنا العربية عرافين وعرافات، كما لو ان هؤلاء الأخيرين سيدلوننا بدقة عما سيحدث، فهؤلاء الذين يزعمون معرفتهم بالغيب على نحو ما يحكونه في برامج فضائية يمارسون نصبا فجا يستخف بعقول مشاهديهم، فهم لا يشتغلون لا بالسياسة ولا العلم أو الفن، حتى يمكننا القول انهم يبنون توقعاتهم على تسلسل وتطور ما في مجريات الأحداث، بل ان بعضهن لا تتجاوز خبراتهن القليل مما في عالم المطبخ، ومن ثم يستغرب المرء: كيف يقبل الإعلام التليفزيوني أن يتورط في هكذا ثقافة، ولماذا تستضاف هذه الفئات في برامج لا رجاء فيها ولا منها، أما كفانا هذا الدجل الذي خرب عقول أجيال، ولماذا لا نوظف العلم والمنطق في تصور الغد لا الاعتماد على المشعوذين.

بقلم : حبشي رشدي

حبشي رشدي