كتاب وأراء

حصاد العمر

اجتمع أشهر حكماء العرب قس بن ساعدة وأكثم الصيفي ذات يوم وسأل أحدهما الآخر عن أخطر عيوب البشر. فقال الأكثم: هي أكثر من ان تحصى. وقد وجدت خصلة إن استعملها الإنسان سترت عيوبه كلها. فسأله رفيقه وما هي؟ قال حفظ اللسان! ولمعاوية بن أبي سفيان جملة شهيرة يقول فيها: إني لا أضع سيفي حيث يكفيني سوطي ولا أضع سوطي حيث يكفيني لساني، وعن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم: من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرا أو ليصمت، وقال الله تعالى في كتابه الكريم: «ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد» وحين سأل أحدهم رجلا من بني تميم: «بمَ سادكم الأحنف فوالله ما هو أكبركم سنا ولا أكثركم مالا؟ فرد الرجل: سادنا بقوة سلطانه على لسانه! فالكلمة أسيرة في وثاق المرء فإن تكلم بها صار أسيرها.
وكثيرة هي الحكم والأقوال التي تحذر من زلة اللسان ومع ذلك فأغلب مشاكلنا اليومية هي بسبب لسان جامح لا يستطيع أو لا يحاول صاحبه السيطرة عليه. ولسيدنا علي بن أبي طالب مقوله رائعة يقول فيها: لا شيء أحق بالسجن من اللسان، قد جعله الله خلف الشفتين والأسنان ومع هذا يكسر القفل ويفتح الابواب، ولعل أبواب جهنم هي اكثر فتوحاته. فنادرا ما يمتدح أحدا أو يقول خيرا في أحد لوجه الله. وسئل أديب روسيا الشهير تولستوي من عدوك؟ فأجاب: لساني، وكانت تهمة الثرثرة والقول الفارغ توجه للمرأة. اما الآن فيتساوى الاثنان. وربما يفوق الرجال النساء في هذا المضمار. روي عن عبد الله بن أبي سفيان عن أبيه قال «قلت: يا رسول الله أخبرني عن الإسلام بأمر لا أسأل عنه أحدا بعدك؟ قال: «قل آمنت بالله ثم استقم. قلت: فما أتقي؟ فأومأ بيده إلى لسانه». وروي عن ابن مسعود أنه كان يقف على الصفا وهو يعتمر ويقول: «يا لسان قل خيرا تغنم واسكت عن شر تسلم من قبل أن تندم. وكان سيدنا ابوبكر الصديق الذي لم يقل في حياته الا الصدق يمسك بلسانه الطاهر ويقول: «ما أوردني موارد التهلكة الا هذا» سبحان الله! الاتقياء الاطهار وأشد الناس تمسكا بالدين وبمبادئه يخشون زلة لسان، ونحن نترك للساننا العنان مع شروق كل صباح. وحتى نهاية اليوم، نصوم ونصلي ونزكي ونجهل ان حصائد ألسنتنا تمحو كل الفرائض. وننسى قول رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم: وهل يكب الناس على وجوههم أو على مناخرهم في النار إلا حصائد ألسنتهم».

بقلم : وداد الكواري

وداد الكواري