كتاب وأراء

الرجل ذو القرنفلة الحمراء

في عام 1950م، القي القبض على « نيكوس بيلويانيس»، الثائر، والمناضل، والمقاوم، والقائد العمالي اليوناني، وقبل كل هذا: الثري، الذي لم يكن بحاجة أبدا لمثل هذه النهاية، ولكنه بالتأكيد كان يريدها ووصل لها؛ لاحقا، وخلال أقل من شهر، تم إنهاء أجراء محاكمته السريعة، وأعدم مع ثلاثة من رفاقه، ذلك الحكم الذي واجه حملة دولية لإلغائه بمشاركة شخصيات عالمية مثل بيكاسو، وشارلي شابلن، وجان بول سارتر، وبرتولد بريخت، وناظم حكمت. غير أن كل هذا ليس قصتنا هنا، العشرات من المناضلين والثوار والمقاومين اعدموا خلال التاريخ البشري، نتيجة للصراع بين الفاشيات وأولئك الذين يقررون بشجاعة وتضحية التصدي لها. لكن المميز في قصة «نيكوس بيلويانيس» هذا، هي تلك القرنفلة الحمراء التي أهديت له أثناء المحاكمة، والتي ظل ممسكا بها طوال محاكمته القصيرة، تلك القرنفلة الحمراء التي استحالت إلى ثيمة معبرة، أصبحت رمزا لأمر ما مجهول وغامض وغير مفسر، أصبحت مصدر إيحاء ونقطة ارتكاز دارت عليها الكثير من الأعمال الفنية والشعرية والسينمائية. تم، وكأنه نوع من الالتزام الإبداعي غير المقصود، تبهيت كل التفاصيل التي رافقت واحاطت بتلك المحاكمة الظالمة والدموية، والخاطفة في نهاية الامر، والاتجاه إلى تلك القرنفلة لتكون، إما عنوانا لتلك الأعمال، أو موضوعا لها. صحيح أن نيكوس تم تكريمه لاحقا بإطلاق أسمه على أحدى القرى كتخليد لعمله النضالي، إلى أن تلك القرنفلة حازت قصب السبق؛ حتى عناوين تلك الأعمال تغفل تماما أسم نيكوس بيلويانيس، وتكتفي بإطلاق اسم الرجل عليه، لكنها تضع اسم القرنفلة ولونها بشكل واضح وصريح، تلك القرنفلة اللغز، أو البسيطة، ولكن التي تم تلغيزها لاحقا من خلال الأعمال، تم إضافة هذه الهالة من الأيقونية عليها.. من تلك الأعمال لوحة شهيرة لباولو بيكاسو أطلق عليها اسم: الرجل مع القرنفلة الحمراء، الفنان الفرنسي بيتر لوران قدم لوحة لها نفس الاسم، كما قدم المخرج اليوناني فيلم يحمل اسم «الرجل مع القرنفلة» حيث شارك في الأوسكار كأفضل فيلم أجنبي، الشاعر التركي العظيم كتب قصيدة لها نفس العنوان:« الرجل ذو القرنفلة» منها:
على منضدتي صورة شمسية لصاحب القرنفلة الذي أعدم رمياً بالرصاص
تحت الأنوار الكاشفة
»في مدينة تعيش في الظلام
يده اليمنى تمسك بالقرنفلة وكأنها شعاع من بلاد اليونان
وينظر صاحب القرنفلة من تحت حاجبين أسودين كثيفين
بعيني طفل جسورين وبدون حول ولا قوة ويضحك،
والقرنفلة في يده تضحك، من هذه المهزلة ومن نذالة هذه الأيام»
في هذه القصيدة يتضح ترميز هذه القرنفلة والانتباه لها أكثر من أي امر أخر، ثم يرافقها، كشخصية ثانية في الحدث «صاحب القرنفلة»، بطلان في مشهد واحد، لكن ما من شك حول أي من البطلين استحوذ على جزء كبير من المشهد.
الشاعر اليوناني «يانيس ريتسوس» كتب قصيدة أيضا لها العنوان ذاته «الرجل ذو القرنفلة:
«المعسكر صامت هذا اليوم
الشمس ترتعش على سور الصمت
وترفرف كسترة القتيل في الاسلاك الشائكة.
جرس كبير انزل وها هو يجثم
على الارض يخفق في نحاسه قلب السلام.
انصتوا: اسمعوا هذا الجرس
اصغوا: الشعوب تمر حاملة على اكتافها
النعش العظيم- بيلويانيس»
لكنه هنا، هذه المرة وعلى غير العادة، تحدث بشكل واضح عن الاسم الصريح الذي كان ينادى عليه دائما بأنه: الرجل ذو القرنفلة الحمراء.

بقلم : ضيف فهد

ضيف فهد