كتاب وأراء

هل يتحول جينبينغ إلى ماو جديد؟

في الأدبيات السياسية الصينية يوجد ما يـُعرف بـ «الزعيم النواة» بمعنى وجود زعيم مركزي قوي يطبق بصرامة على مقاليد الدولة والحزب والجيش.
هذه الصفة أعطيت لمؤسس النظام الشيوعي «ماو تسي تونغ»، لكنها لم تعط لخلفائه الأربعة اللاحقين باستثناء الزعيم الإصلاحي «تينغ هيسياو بينغ». وهكذا نستشف أن اللقب له خصوصية وحيثيات، ولا يـُمنح إلا لمن يتولون قيادة الدولة في المنعطفات الخطيرة، بدليل أن الزعيم الصيني السابق «هو جينتاو» لم يحظ باللقب لأن فترة زعامته لم يحدث فيها ما يستوجب حصوله على سلطات مطلقة.
إذ إن اللقب كان من نصيب المعلم ماو لأن الكيان الذي أسسه سنة 1949 على أنقاض جمهورية الصين الوطنية كانت تواجه مؤامرات من قبل «الأعداء الإمبرياليين» أولا، ثم من قبل الرفاق الماركسيين في موسكو لاحقا، ناهيك عما قيل حول مؤامرات ودسائس كان يخطط لها مؤسس تايوان الماريشال «شيانغ كاي شيك» للعودة إلى السلطة في بكين. ثم لأن ذلك الكيان كان يواجه تحديات بناء صين قوية اقتصاديا وعسكريا وفق المبادئ الماركسية.
أما منح اللقب للزعيم الإصلاحي «بينغ» فكان نتيجة لظهوره في وقت كانت فيه الصين على عتبة الانهيار بعد وفاة ماو، ومحاولة زوجته وبعض أنصارها المحافظة على إرثه الداخلي القمعي ونهجه الخارجي المتشدد، ثم وقوع مصادمات دموية في ساحة «تيان إن من» بين المتظاهرين العزل وقوات الجيش في 1989 أي في زمن الرئيس الصيني الأسبق «جيانغ زيمين» الذي تدخل بينغ من أجل تمكينه وتعزيز صلاحياته باستخدام الصلاحيات الممنوحة له بموجب اللقب.
وباختصار شديد كان اللقب بمثابة جائزة منحت للزعيم بينغ لنجاحه في المحافظة على صين قوية موحدة، ووضعها على طريق النمو والازدهار من خلال حزمة من السياسات الداخلية والخارجية البراغماتية.
لكن لماذا يرفع اليوم الحزب الشيوعي الحاكم الرئيس الحالي «شي جيبينغ» إلى مرتبة «الزعيم النواة»؟ وهل يوجد ما يستدعي أن يـُمنح الرجل صلاحيات مطلقة تقوض فكرة القيادة الجماعية، وآلية الخلافة التي طبقت في حقبة ما بعد ماو للحيلولة دون تكرار المآسي التي وقعت في عهد الأخير؟
المتابعون للشأن الصيني يجيبون بنعم!
ففي الداخل تواجه الصين تحديات اقتصادية في شكل تراجع معدلات نمو الاقتصاد من بعد عقود حققت خلالها البلاد قفزات هائلة رفعتها إلى مصاف الاقتصادات العالمية الكبرى. ناهيك عن أن هذا يحدث في الوقت الذي تحقق فيه الجارة الهندية المنافسة العكس تماما. ففي القمة الاخيرة لقادة مجموعة «بريكس» (الدول الأسرع نموا في العالم وهي الهند والصين والبرازيل وجنوب إفريقيا وروسيا) بمدينة بينوليم الهندية، بدا الزعيم الهندي «نارندرا مودي» وحده منتشيا لأن اقتصاد بلده سجل نموا بنسبة 7.6 %، فيما سجلت اقتصادات بقية الدول انكماشا ملحوظا، بما فيها الصين التي ظلت لسنوات محركا للاقتصاد العالمي.
أما خارجيا فإن الصين تواجه أيضا تحديات ممثلة في سياسات واشنطون الهادفة إلى تركيعها والحد من قدرتها العسكرية ونفوذها في منطقتي جنوب شرق آسيا وبحر الصين الجنوبي اللتين تعتبرهما بكين ضمن مناطق مصالحها الاستراتيجية. فوفقا للإعلام الصيني تحاول واشنطون استثمار الخلاف القائم بين الصين وعدد من الدول الأعضاء في تكتل آسيان حول السيادة على مجموعة من الجزر الصغيرة غير المأهولة وحول حقوق الصيد والمرور في بحر الصين الجنوبي في تأليب تلك الدول على الصين. كما تحاول تعكير العلاقات الهندية- الصينية الهشة، وتشجيع الهند على التصدي لخطط الصين الهادفة إلى مد نفوذها إلى المحيط الهندي بغية تأمين خطوط إمدادات النفط الواردة إليها من الشرق الأوسط.
إلى ما سبق هناك حديث مفاده أن الحزب الشيوعي الحاكم لم يعد حزبا منضبطا، وبات يشكو من ضعف خطير، وتتكرر في أروقته قصص تهدد صورته كمؤسسة قائدة. ومثل هذا الحديث يعزز، طبعا، فكرة ان ارتقاء جينبينغ إلى مرتبة «الزعيم النواة» هو بهدف تنظيف الحزب الحاكم وتقويته. لكن السؤال الذي يتردد الآن هو «هل سيستخدم جيبينغ صلاحيات الزعيم النواة ليعيد قبضة ماو الحديدية على الصين»؟
د.عبدالله المدني بقلم:

د. عبدالله المدني