كتاب وأراء

مهما تضحك.. الصورة لن تطلع حلوة

«أكثر شيء يسعد الإنسان أن ينظر الناس لصورته فيجدوها حلوة».
جملة شهيرة لفيلم يحمل العنوان ذاته، لكن كم تفوق سعادته، إذا أبصر ذاته من الداخل، فرأى حسناً؟
أيدور بخلد الأبوين أن أبناءهما يتمعنون النظر في شخوصهما أكثر مما يدقق الأهل مع الأبناء؟ فيلاحظون متى يغضبان ويقارنون بين درجات الانفعال، متى سكنا؟ متى غضا الطرف ومتى حدقا؟ كيف هاجا؟ متى ماجا؟ متى عصفا؟ من ضربا؟ بمن رحبا ثم اغتابا؟ لمن فتحا الأبواب؟ مع من أوصدا القلوب؟ ولم ازدوجت معايرهما؟
- لم اتصلا بأقربائنا الأثرياء مرات بينما اكتفيا بالرسائل المجانية مع فقراء العائلة؟
- بمن رحبا وأولما؟ ومع أي ضيف نظر الوالد بساعته؟
- مع من تسامحا ومع من اقتصا؟
- لماذا تغضب والدتي إن لم تصاحب أختي زوجها برحلاته ولم تقاطع أخي عند اصطحابه لزوجته في سفراته؟
- لماذا أخبر والدي، عريس أختي بمسؤوليته الشرعية عن تكاليف الزواج بينما نصحني بالاستفادة من حقوق العرف التي ستجعل أهل خطيبتي يضطلعون بالأعباء؟
- لم قامت ماما برد الريال العيدية الذي منحته لي خالتي الفقيرة بينما لم ترد الخمسين ألفا التي أهداها لنا خالي الثري؟
- هل ينتقد والدي ديكتاتورية الحكام عن قناعة ويتألم للمجريات بالسجون العربية؟
وكيف يطالب بالعدل في الشارع ولا يحققه لأهله بالدار؟ أما خطر بخلده أن ما يمارسه عليه رؤساؤه من قمع هو محض قصاص وأن التحديات الحقيقية لو انتصرت في ساحة النفس لاكتسحت البيوت؟
وكيف يجرؤ بمطالبة الحكومة بالشفافية فيما يخفي حقيقة راتبه عنا؟
هل يدرك الأبوان أن الأبناء يمعنون بالرتوش وينصتون للغة الأجساد لا الأصوات، ويستبصرون النوايا ويحدقون في الشواهد أكثر من المشاهد ويجيدون التفريق بين الآباء البررة الذين يعتنقون ديدناً رحموتياً وبين الآباء العاقين المكتفين بطبيعتهم الوعظية بلغة خشبية تقتصر على «ويلكم وويحكم» فتكون النتيجة فشلا في تغيير الواقع؟
وأمام بعض النتاج التربوي المخزي نندهش من المصرين على الإفراط في المبالغات في تقديس و«أسطرة» الوالدين (تحويلهم لأسطورة) من حيث ألقابهم لا أدوارهم.
فرغم إدراك الأبناء للطبيعة البشرية للأهل وعدم توقعهم لقديسين، وقدرتهم على تناسي فواحش جمة للآباء ممن استغلوا المسعى الديني الذي منحهم مكانة سامية لتغول حقوق الأبناء، إلا أن ندرة من الأبناء تسامح في عقوق الآباء فهم يدركون قيمة الأبوين الصالحين، لكن مقدار بر الابن لوالديه لن يتحقق بقدرة الأبوين أو أحدهما على المزايدة على مكانته المحفوظة بالدين في بيوت تندلع فيها حروب أهلية منزلية لأن الوالدين رادفا بين تعنيف الأبناء وتربيتهم.
وتبقى حاويات القمامة والمساجد شاهدة على مئات الرضع الملقين على عتباتها كما دور الايتام والشوارع التي تضج بالآلاف وتنهض دليلاً على ان الابوة والأمومة لم تكن يوماً غريزة يجتمع فيها البر والفاجر، بل ان ساحات القضاء أفشت عشرات قضايا إنكار انساب أجنة ضد آباء عقوا حتى أجنتهم فما اعترفوا بهم. ثم يأتي من يقول إن أحداً لن يحب أن يراك أفضل منه سوى والديك!
ورغم أنه من الصعوبة بمكان أن يفقد الابن انبهاره بوالده إلا إذا لم يهتم الأب بأن يقيم من نفسه أنموذجا لأبنائه فيفقد الأب مكانته واحترامه ومحبته حتى يصل الابن للخطوة المدمرة التي لا يكترث فيها أيهما يدمر نفسه أم والديه لمحض الانتقام؟
على أمل ان يدرك الآباء أنهما مهما ضحكا على الأبناء.. فإن الصورة لن تصبح حلوة.

بقلم : داليا الحديدي

داليا الحديدي