كتاب وأراء

الانقسام الذي أخفاه الإعلام الأميركي

اعتاد العالم أن يرى أميركا متحدة دائما برغم التنافس بين الحزبين الكبيرين الجمهوري والديمقراطي في الانتخابات العامة التي تجرى كل أربع سنوات.ولكن انتخابات 2016 كشفت وجود انقسام اجتماعي حاد بين مختلف مكونات المجتمع الأميركي تجاوز الاختلافات السياسية المعروفة بين الحزبين الكبيرين. وقد انعكس هذا الانقسام في صناديق الاقتراع، فجاءت النتائج بمثابة الزلزال الذي خيب كل التوقعات.
لم تلتفت وسائل الإعلام العالمية عموما والأميركية خصوصا إلى هذا الانقسام وربما تعمدت تجاوزه طوال الولاية الثانية لباراك أوباما. وبدلا من ذلك اهتمت كثيرا بالجوانب الشخصية والمواقف والرؤى السياسية لكل من هيلاري كلينتون (الديمقراطية) ودونالد ترامب (الجمهوري).
لم يلتفت الديمقراطيون إلى ظاهرة بيرني ساندرز الذي نافس هيلاري على ترشيح الحزب في الانتخابات التمهيدية. وكان الرجل يحمل خطابا سياسيا جديدا فيه نزعة اشتراكية، ويجذب الشباب الأميركي. ولم يلتفت الجمهوريون إلى ظاهرة دونالد ترامب القادم من خارج المؤسسات التقليدية الذي يحمل خطابا شعبويا يدغدغ أحلام ومشاعر الكتلة الصامتة المحبطة من أداء هذه المؤسسات، وكذلك تحريضه للأميركيين ضد الأقليات والمهاجرين. ولم تلتفت وسائل الإعلام والخبراء إلى خطورة التداعيات الناجمة عن تكرار حوادث القتل العنصري ضد السود التي وقعت في عدة مدن أميركية، ولا إلى تكرار العمليات الإرهابية من جانب ما عرف بالذئاب المنفردة التي تورط فيها أميركيون مهاجرون. كما تعامل هؤلاء بخفة مع اتساع دائرة الولايات المتأرجحة من 5 ولايات إلى 11 ولاية، وتحول التصويت في ولايات كانت مضمونة سلفا للديمقراطيين،مما كان يعني بوضوح تعقيد مهمة هيلاري على غير ما كانت تتوقع.
في يوم الانتخابات تبين خطأ الاستطلاعات وخداع كبريات الصحف وشبكات التليفزيون،ثم توالت الحقائق الصادمة، تعبيرا عن الانقسام الذي حدث في المجتمع الأميركي، بشكل تلقائي وصامت، واستشعره ترامب مبكرا وتلقفه واستغله جيدا،بينما غاب تماما عن هيلاري والقائمين على حملتها. من هذه الحقائق أن الناخبين في الولايات المتأرجحة المنتجة زراعيا وصناعيا (الوسط الغربي) والتي أضيرت من العولمة واتفاقيات التجارة الحرة التي عقدها الديمقراطيون في عهود كلينتون وأوباما حسمت موقفها يوم الانتخابات لصالح ترامب الذي كان قد بذل جهدا ملحوظا طوال الحملة الانتخابية لإقناعهم بأن الديمقراطيين اضروا بهم وأنه هو بسياساته المضادة سينقذهم ويستعيد أميركا قوية مرة أخرى.
كما اتضح أن كبار السن والآباء من كل الأجناس عموما صوتوا لصالح ترامب انحيازا من جانبهم لعامل الاقتصاد والعمل وضمان مستقبل أفضل لأبنائهم كما كانوا الأكثر مشاركة، بينما صوت الأبناء والشباب عموما لصالح هيلاري انحيازا من جانبهم لعامل الحرية! وكانوا أقل مشاركة. ومن الحقائق أيضا نجاح حملة ترامب في حشد الفئات العاملة من البيض (العمال والموظفين) لصالحه وفي ولايات كانت مضمونة سلفا للديمقراطيين وهم ممن تضرروا من العولمة وخروج الشركات الأميركية من البلاد هربا من الضرائب وبحثا عن العمالة الرخيصة في المكسيك والصين. وحتى الأقليات التي راهنت عليها هيلاري من الأصول اللاتينية والسود لم يشاركوا بالقدر الكافي خصوصا أن حجمهم قليل مقارنة بحجم البيض.
مثل هذه التحولات في مواضع ومواقف الجمهور الأميركي إن دلت على شيء، فإنما تدل على أن المجتمع الأميركي منقسم على نفسه في سابقة لم يعرفها منذ عقود طويلة. وقد سعت وسائل الإعلام الأميركية إلى إخفاء هذه الحقيقة. ولا شك أن مشهد الصدمة الذي خيم على قيادات الحزب الديمقراطي ومؤيديه وقت إعلان فوز ترامب (لم يخسر الحزب البيت الأبيض فقط بل خسر الكونغرس بمجلسيه أيضا) واندلاع مظاهرات احتجاجا على سياسات ترامب المتوقعة هو أقوى دليل على ذلك. وما يزيد ذلك تأكيدا أن الكلمات التي وردت على لسان كل من هيلاري وأوباما وترامب نفسه عقب إعلان النتائج جاءت كلها تدعو الأميركيين إلى الوحدة والعمل المشترك في اعتراف صريح بأن أميركا المتحدة لم تعد متحدة.

بقلم : د. عبدالعاطي محمد

عبدالعاطي محمد