كتاب وأراء

أن تكون شجرة!

أن يقول كاتب بأنه يمارس الحيادية التامة فذلك أمر يدخل ضمن القاعدة الاجتماعية الشهيرة «عديها يا رجل»، فالحياد التام يخرجك من إنسانيتك، أو على الأقل يمنعك من قول رأيك، أي من الكتابة، وأعتقد اعتقاداً يلامس سقف اليقين بأن مجتمعنا مُبتلى بالمحاولات الدائمة لتلبّس حالات الحياد، وذاكرتنا الجمعية مليئة بالدعوات السلبية للحياد المُطلق بدءاً من المقولة الجبانة «إذا كان الكلام من فضّة فالصمت من ذهب» إلى المقولة الأُخرى الأكثر خبثاً «ابعد عن الشر.. وغني له»، قد تكون الدعوة للبعد عن الشر دعوة جميلة ورائعة، لكن كل هذا الجمال تنسفه دعوة الغناء له، فالغناء هُنا - وحتى الإنشاد دون آلات موسيقية- يعني التأجيج، وكأنه يقول «اصنع الشر فقط»، لهذا أصبحت لدينا نُدرة في «الرأي الشخصي»، والسبب من وجهة نظري - التي أُحاول ألا تكون متواضعة- أن المجتمع اعتاد أن يكون محايداً - بتعبير آخر يحتفظ برأيه لنفسه- تجاه أي فكرة أو رأي، فتبقى الفكرة نائية عن النقاش والتفكيك والقراءة فتموت، أو تجد من ينبري لها فيحاكمها من خلال قائلها ويأخذها إلى منحى آخر وتأويل يفوق بساطتها ويجعلها تقف مقابلة للثوابت الشرعية، هُنا يكون المُحايد ضدها بالتأكيد لأنها - حسب التأويل- فكرة تمس عقيدته، ولن يُفلح قائلها بالدفاع عنها بالتأكيد، وبالتأكيد وأد الفكرة بذاتها ليس أكثر أهمية من أن قائلها سيصبح عضواً جديداً في «جمعية المحايدين»، فهو سيشعر أن «الرأي» سيجلب له نتيجة عكسية!

إذاً مَن المستفيد من زيادة عدد المحايدين؟ أنا لا أجد إجابة، أو بشكل أكثر صدقاً أنا أُمارس الحياد أيضاً، فما أنا إلا من غزية إن غوت.. غويتُ وأن ترشد غزية أرشد، كما يقول الشاعر، فلا يغرنكم من يهاجمون «ثقافة القطيع» من المثقفين والكتّاب، كل ما في الأمر أنهم تطوروا وصنعوا «قطيعهم» الخاص، واستمتعوا بكونهم «القوّاد» -جمع قائد بالطبع- وتفرغوا لوأد الأفكار والآراء خاصة تلك التي تلامس مصالحهم المعنوية، وللأمانة وبعد التجربة فالحياد مُتعب خاصة للفئة التي تشبهني «فئة الملاقيف» أو فئة «اللي في قلبه على لسانه»، وأتمنى أن لا يغضب أشباهي من وصفي لهم «بالملاقيف» فأنا لم أكن محايداً في هذه على الأقل فنحن نوصف بمفردات الثقافة والأدب بـ«السُّذَّج»، وإن شاءوا احترامنا أكثر فيصفوننا بـ«رجل الشارع»، والأولى على الأقل تحمل لام التعريف، أما الأخيرة فتعرفون ماذا تعني في قاموسنا الاجتماعي، وإن حاولوا يوهموننا بأن مقولة «ولد شوارع» هي مقولة مسيئة، فيما «رجل الشارع» مقولة محترمة!

ولعل من أجمل ما قيل في الحياد ما قاله الشاعر العامي الرائع تركي حمدان:

الشجر إنسان لكنه أوغل في الحياد

قل معي: ملعون شخصٍ تشبّه بشجرة!

بالطبع لن أستجيب لدعوة الشاعر باللعن، لكنني لا أستسيغ أن أكون مجرد شجرة تمنح الظل للعابرين، لكنها لا تملك ألا تكون حطباً يُحرق الآخرين بإرادة الإنسان الذي يدّعي أنه العاقل الوحيد على وجه هذه الأرض، ولا حتى شجرة تمنع اللص من أن يسرق الثمرة قبل الأطفال! فهد العديم

فهيد العديم