كتاب وأراء

من إيفون الرهيب إلى بوتين العجيب

ماذا يعني أن تقيم روسيا اليوم تمثالاً لإيفون الرهيب؟ وأيفون هذا هو القيصر الذي حكم روسيا بالحديد والنار، حتى ارتبط اسمه بالإرهاب. وقد بلغ من شدة قسوته انه قتل ابنه بيديه. وحده الرئيس السوفياتي جوزف ستالين اعتبره قدوة. واقتدى به فعلاً. ولكن لم يرتفع لإيفون الرهيب أي تمثال في انحاء روسيا، إلى ان قرر الرئيس الحالي فلاديمير بوتين إقامة تمثالين –لا تمثال واحد – له. وقد أزيح الستار عن التمثال الأول في مدينة أوريول التي تقع على بعد 200 ميل إلى الجنوب الغربي من موسكو. والتمثال الذي يرتفع ثمانية أمتار، يجسد إيفون الرهيب على صهوة حصان وهو يرفع الصليب بيده اليمنى والسيف بيده اليسرى.
لم يكن إيفون الرهيب متديناً. اذ لو كان كذلك لما مارس الإرهاب ضد شعبه. ولكن رمزية الصليب في تمثاله هي انعكاس لسياسة بوتين بإعادة الاعتبار إلى دور الكنيسة الروسية الارثوذكسية كقوة رديف للسياسة الروسية في الداخل وفي الخارج على حد سواء.
لا ينكر أحد من المؤرخين الروس الدور المروع الذي ارتكبه القيصر إيفون. ولكنهم يؤكدون في الوقت ذاته انه استطاع، بتوسل تلك السياسة، أن يقطع الطريق أمام التدخلات الأجنبية – الأوروبية- في الشأن الروسي. وهذا ما يواجهه اليوم أيضاً الرئيس بوتين الذي يلقي باللائمة على الغرب ( أوروبة واميركا) ويحملهما مسؤولية المتاعب التي تواجهها روسيا اليوم في محاولة لتقليم أظافرها كقوة كبرى.. تماماً كما كان يحدث في القرن السادس عشر مع إيفون الرهيب.
من هنا فإن إعادة الاعتبار إلى القيصر إيفون بعد مرور 450 عاماً على إنشائه مدينة أوريول، يمثل رسالة سياسية قومية للداخل الروسي وللخارج على حد سواء. ذلك ان سيرة إيفون هي مقاومة التدخل الخارجي، ومحاولة صناعة روسيا دولة كبرى.. حتى ولو تطلب ذلك سحق معارضيه في الداخل.
وتثبت الوقائع التاريخية انه خلال حكم القيصر إيفون الرهيب، تضاعفت مساحة روسيا القيصرية مرتين. ولعل في هذا ما يفسر ايضاً سياسة التوسع الروسي اليوم في شبه جزيرة القرم بعد شرق أوكرانيا، كما يفسر عرض العضلات العسكرية الروسية في شرق المتوسط (سوريا) ومحاولة استعادة القواعد العسكرية السوفياتية من كوبا حتى فيتنام.. مروراً بالبحر المتوسط.
عرفت روسيا في تاريخها ثلاثة قادة «ضعاف» أدى ضعفهم إلى تعرض روسيا إلى مآسٍ وكوارث كبيرة.
فالقيصر الاسكندر الثاني بلغ من الضعف إلى حد انه أمر بتحرير العبيد الذين تجمعوا في موسكو وفجروا ثورة فيها. والقيصر نيقولا الثاني أدى ضعفه إلى الانهيار الذي فتح الطريق أمام الثورة البولشفية.
أما غورباتشوف فقد أدى ضعفه إلى انهيار الدولة انهياراً شبه كامل والى فشلها بعد أن كانت امبراطورية سوفياتية كبرى.
هذا يعني ان روسيا تحتاج إلى قائد قوي مثل إيفون الرهيب.. وتالياً مثل فلاديمير بوتين. ومن أجل ذلك سيرفع الستار في هذا الشهر أيضاً عن تمثال ثان لإيفون الرهيب في مدينة الكسندروف.
اضافة إلى ذلك سيرفع في ساحة الكرملين تمثال للقيصر «فلاديمير العظيم» بحجم 17 متراً، وهو الذي أدخل المسيحية الارثوذكسية إلى روسيا وجعل منها دين الدولة في القرن العاشر الميلادي. وكان فلاديمير قبل ذلك أميراً على كييف (عاصمة أوكرانيا اليوم) ولذلك لن يغفر الكرملين لانفصالها عن روسيا وارتمائها في حضن الغرب.
وهذا الرمز الجديد يطرح السؤال المهم ويجيب عليه في الوقت ذاته. وهو: أي رئيس تحتاج اليه روسيا اليوم؟..
لقد اتهم إيفون الرهيب طويلاً بأنه كان لا يملك أعصابه.. وكان سريع الغضب، عنيفاً في ردود فعله. وكان يلجأ إلى استخدام القوة بشكل مفرط ضد معارضيه في الداخل، وضد خصومه في الخارج.
ويُتهم الرئيس الحالي بوتين باتباع الاسلوب ذاته ايضاً. فالمعارضة الداخلية مشلولة. كما انه متهم ايضاً بانه مستعد للذهاب في صراعه مع حلف شمال الأطلسي إلى ما ذهب اليه في القرم وسوريا. أي إلى حد استخدام القوة العسكرية. فقد أرسل في الخامس من اكتوبر الماضي سفينتين حربيتين تحملان صواريخ نووية إلى المتوسط. وفي اليوم ذاته جمّد العمل بالاتفاقية النووية مع الولايات المتحدة. كما ارسل بعد يومين، السابع من اكتوبر، حاملة صواريخ نووية «الاسكندر» إلى كاليننغراد وهي جيب روسي منتزع من بولندا.
أياً تكون المواقف من سياسة الرئيس بوتين، فقد طوى صفحات الخمسة عشر عاماً من الذل الذي واجهته روسيا بعد سقوط الاتحاد السوفياتي. ويبدو انه ينظر إلى مستقبل صورته في روسيا على غرار الصورة التي يعيد رسمها اليوم للقيصر إيفون الرهيب.
بقلم : محمد السماك

محمد السماك