كتاب وأراء

تضامن الأمة هو المخرج الوحيد

في حالة عربية وإسلامية تغلب عليها الفوضى بما هي حالة من انعدام الاستقرار بفعل عوامل داخلية وخارجية وهي تتمظهر في شكل تقاتل داخلي مسلح أو غير مسلح. هذه الحالة تتميز بشكلها التصاعدي أي أنها حالة تراكمية تتقدم نحو مزيد انتشار الفوضى ومزيد احتدادها وليس أدل على ذلك من المقارنة بين ما كانت عليه المنطقة قبل العقد الأخير من القرن الماضي وما هي عليه اليوم.
أي أن المنطقة تطورت نحو فوضى شاملة خلال أقل من ثلاثة عقود من الزمان بفعل عوامل كثيرة. الظاهر في هذه العوامل المفسرة لسبب الفوضى التي تحيط بالمنطقة العربية هو أنها حدثت بفعل عناصر خارجية مثل الاحتلال الأميركي للعراق أو مختلف التدخلات الخارجية في المنطقة والتي لا تزال إلى اليوم. هذا صحيح إلى حدّ كبير لكنها قراءة لا تفسر إلا جزءا من الحالة العربية وتغمض العين عن المشاكل الداخلية التي تمثل في الحقيقة السبب الأساسي لما عليه الأمة اليوم من وضع كارثي كبير.
إن تكالب الخارج على الأرض العربية وعلى منطقة الخليج بشكل خاص ليس إلا نتيجة منطقية وطبيعية لغياب الفعل الداخلي في حده الأدنى وبالشكل الذي يسمح له أن يمنع عن الأمة كل حملات إحلال الفوضى ونشر التقاتل بين أبناء الوطن الواحد. صحيح أيضا أن الدول العربية وخاصة ذات الثقل الكبير في منطقة الخليج بدأت تستشعر حجم الخطر الذي يتهددها وذلك بعد توغل المشروع الإيراني في داخل العمق العربي العميق.
لكن من جهة مقابلة تطرح على المنطقة أكثر من أي وقت مضى جملة من القناعات التي لا يمكن إنكارها للخروج من الوضع الكارثي اليوم:
أولا لا يمكن للمشهد العربي أن يتواصل بهذا الانحدار لأنه بهذه السرعة وبهذا الاتجاه سيؤدي إلى انتشار الخراب في كل مكان ولن يستثني هذا الخراب أية دولة ولا محيطها الإقليمي. وهو ما يعني ضرورة التحرك عربيا من أجل وقف النزيف على الأقل بشكل يسمح بتوفير أرضية ممكنة لإعادة البناء. المعطى الثاني والأهم هو أن غياب القرار العربي الموحد لا يتأتى إلا من حالة التشرذم والانقسام الداخلي أي أنّ السبب الأساسي للأزمة العربية الراهنة هو سبب عربي عربي وليست العوامل الخارجية إلا فروعا للمحصلات الداخلية.
وكما كان السبب الرئيسي للأزمة داخليا فإن المخرج الرئيسي لها لن يكون إلا داخليا كذلك ولن يتم إلا عبر تجاوز أهم الحواجز التي تقف عقبة أمام تضامن عربي إسلامي في حده الأدنى نحن اليوم في أمس الحاجة إليه. ليس التضامن العربي المطلوب بين دول النظام الرسمي العربي أحد الحلول الممكنة للخروج من دائرة المخاطر التي تتهدد الأمة بل هو في نظرنا المخرج الوحيد الممكن والمتبقي اليوم.
ثم إن الخلافات بين الدول العربية ليست خلافات عميقة في أغلبها رغم ما تبدو عليه ظاهريا بل هي في الحقيقة ترسبات لخلافات في أغلبها ذات طابع شخصي وناجمة عن سوء فهم أو سوء تقدير في الغالب الأعم من الحالات.
بناء على كل ما سبق وبناء على سرعة تفاقم الوضع العربي فإن قدرا من الجرأة والشجاعة على مستوى القرار الرسمي قادر على تحقيق حدّ من التضامن المُلزِم وهو تضامن يتجاوز الترسبات القديمة للخلافات العربية ويسمح بالتأسيس لمرحلة جديدة تعيد خلالها الأمة بناء أسس حضارية صلبة لواقع جديد.
بقلم : محمد هنيد

محمد هنيد