كتاب وأراء

الحذلقة والتصنع

ليس هناك أجمل ولا أرق ولا أفضل من البساطة. في كل شيء.. في الحديث والسلوك وأسلوب الحياة، وليس هناك أبشع من الزيف والتقليد السمج والادعاء والتظاهر والتصنع، وإذا كنت أستثقل البقاء مع الثقلاء لدقائق فإنني أستثقل البقاء مع المتصنعين والمتصنعات لثوان.. المتصنعون والمتصنعات الذين يحشرون بضع كلمات إنجليزية أو فرنسية لا داعي لها في الحديث، ويتحولون، دون أن يفطنوا لهذا التحول، إلى الغراب الذي قلد مشية الحمامة.. فلا هو أجاد مشيتها ولا هو قدر على أن يعود إلى مشيته الحقيقية، وذكرت لي إحدى السيدات، وهي تضحك من القلب كما يقال، أنها ذهبت ذات مرة لزيارة مريضة من معارفها، وصحبت معها أختها التي تصغرها بعدة أعوام، وكانت هذه الأخت على قدر كبيرمن الجمال، لكن جمالها كان يختفي ما أن تبدأ بالحديث مع الغرباء، فتمط الحروف وتمضغها، وتضحك بطريقة غريبة، وتتأوه بين كلمة وأخرى، وهي تظن أنها تلفت الانتباه وتحوز الإعجاب بهذا التصنع اللافت، أوقفها شرطي مرور ونبهها إلى أنها تقف في مكان يحظر الوقوف فيه، فما كان من الأخت إلا ان فتحت نافذتها وبدأت تجادل الشرطي بدلع وبعبارات ممطوطة وغير مفهومة، وهنا اعتذر الشرطي ووجه الحديث للسيدة وهو يتحاشى النظر لاختها: «آسف لم أكن اعلم أن معك احدا من ذوي الاحتياجات الخاصة».
وفي العصر الذي عاش فيه الكاتب الفرنسي الساخر «موليير» برزت ظاهرة الحذلقة والتصنع والمبالغة في الحديث والضحك بين النساء في طبقات الأسر الثرية الارستقراطية. وبدأت تنتقل إلى النساء في الطبقات الاقل مكانة أو ثراء، وهذا ما دفع الفنان في أعماقه للتصدي لهذه الظاهرة وكتابة مسرحية تسخر منهن، اطلق عليها «المتحذلقات»، وتجرأ الناس على الضحك من المتصنعات جهارا بعد ان كانوا يضحكون منهن خفية، وبدلا من العودة إلى الطبيعة.. طبيعتهن. وترك الافتعال في الكلام والسلوك والملابس، استخدمن نفوذهن لمحاربته، وصدر قرار بمنع عرض المسرحية التي تدور احداثها حول فتاتين تجمع بينهما صلة القرابة والتفاهة في نفس الوقت، تقول إحداهما لخادمتها يوما: «أين مستشار الجمال؟» تحتار الخادمة وتتساءل عما تقصد، أو من تقصد، فترد المتصنعة بغضب: «مستشارالجمال يا جاهلة.. هي المرآة! وتبدأ الاحداث في التصاعد حين يتقدم للزواج منهما شابان متعلمان وعلى قدر كبير من الذكاء والجاه والاستقامة، ويتم رفضهما دون تردد، لأنهما تقدما بطلب الزواج مباشرة ودون تمهيد، وكان من المفروض أن يبدآ بالغزل والوعود أو كما قالت احداهن: «كيف نوافق على هذين الرجلين اللذين تقدما لنا بهذه الطريقة الفجة، أين الخطابات الغرامية والقصائد والزهور والعطور التي تسبق هذه الخطوات»، ويرد الأب باستنكار: «هل كنتما تفضلان ان يتم استغلالكما باسم الحب والغرام وان تصبحا عشيقتين لهما، ألم يكن أدعى لكرامتكما وكرامتي أن يبدآ بعرض صريح للارتباط بدل اللف والدوران!»، لكن الفتاتان ترفضان هذا المنطق وتتمسكان برأيهما أو نظرتهما القاصرة للامور، ويفكر الشابان في تلقينهما درسا، فيرسلان خادمين يعملان لديهما للتعرف عليهما بعد ان يتنكرا في هيئة شابين من الطبقة الراقية، وتنطلي الخدعة على الفتاتين وتقعان في مصيدة حب زائف مثلهما تماما.. وتكتشفان بعد فوات الأوان أنهما فرطتا في الأصل ولم تجنيا سوى القشور وخيبة الأمل.
بقلم : وداد الكواري

وداد الكواري