كتاب وأراء

ماذا يعنى فوز ترامب لأميركا؟

ابتداء من آخر يوليو وحتى منتصف أغسطس من هذا العام (2016) كتبت لقراء هذه الجريدة ثلاثة مقالات في سلسلة بعنوان «المظاهر والأسباب: أميركا والانقسام الداخلي». ولقد أنهيت المقالة الأولى منها بهذه العبارة.... كل هذا يجعل الفترة الحالية من تاريخ أميركا من أسوا الفترات التي يسود فيها الانقسام بين أبناء الشعب الواحد والتي تجعل من مقولة «أن أميركا هي البوتقة التي تصهر وتوحد جميع الأعراق والأجناس والأطياف والأديان» مازالت بعيدة المنال».
كما أنهيت المقالة الثالثة بهذه الفقرة «وبينما يلعب ترامب على وتر التغيير والهجوم على كلينتون -التي لا يثق في مصداقيتها أكثر من 50% من الشعب الأميركي -ويوظف الخوف والكراهية بين فئات المجتمع المختلفة «ليعيد إلى أميركا عظمتها». وينجح في استقطاب ما يقارب 30-40 % من الناخبين الأميركيين ليفضح عنصرية المجتمع وانقسامه تعتمد السيدة كلينتون على إنجازات أوباما لتشعر الأميركيين أن التغيير سيكون للأسوأ وأنه «ترامب» غير مؤهل وغير قادر نفسيا أو حتى عقليا على قيادة أميركا ولذا تلعب على وتر التفاؤل لترسم صورة ورديه ومتطلعة لهذا البلد الذي تعتبره «كان ومازال عظيما» على أمل أن تصبح اول سيدة تصل لمنصب الرئاسة في تاريخ أميركا ».
وهكذا بفوز ترمب فاز التشاؤم والخوف على التفاؤل والأمل. تغلبت قيم العنصرية والعرقية والكراهية على قيم المساواة والعدل والحب. هزم ساكنو الريف والقرى والأقل تعليما ساكني الحضر والمدن والأكثر تعليما. أنتصر الذين يحتسون الجعة والخمور على الذين يشربون القهوة والشاي الأخضر. تفوق الذين لا يقرؤون على ملتهمي الكتب. دحر دعاة الانغلاق والحماية الجمركية مناصري العولمة والانفتاح الاقتصادي. أنتصر الذين يؤمنون بأنه لا يوجد هناك احتباس حراري وأن المحافظة على البيئة من التلوث من الأمور الثانوية على الذين يعتقدون بأن اتفاقيات التجارة الحرة والبيئة النظيفة بين الدول من أهم سبل النمو الاقتصادي العالمي. ربح الذين يعتقدون أن الرجل الأسود الذي قبع في البيت الأبيض ثماني سنوات قد أضر بالبلد اقتصاديا واجتماعيا وسياسيا على الذين يؤمنون بأن أوباما حقق الكثير على كافة الأصعدة وأن اسمه سيسجل في لوحات الشرف بين أهم رؤساء أميركا.
وهكذا فأن ما حدث منذ أيام قليلة في أميركا هو زلزال بمعنى الكلمة وبكل توابعه. ولقد بدأ البعض في تشبيه انتخابات 2016 بما انتجته انتخابات 1980. فكما بدأ رونالد ريجان في 1980 ثورة حقيقية قادت الجمهوريين لقيادة العالم وتخلصت خلالها أميركا من منافسة الاتحاد السوفياتي وبدأنا نسمع عن فلسفة المحافظين والمحافظين الجدد فأن البعض يعتقد أن دونالد ترمب يمكنه أن يكرر هذه الثورة لصالح ما يسميه البعض الرجل الأبيض المقهور أو المهمش. وهذه هي الخطورة فرغم تشابه فلسفة ريجان قليلا مع ترمب الا انه الأخير يختلف كثيرا حيث أنه يأتي ومعه كمية هائلة من عدم الخبرة والرعونة والتحيز والنرجسية والمصلحة الشخصية التي لا يوازيها أي شيء في الحقبة الريجانية. رونالد ريجان أكتسب خبرة هائلة حينما كان حاكما لكاليفورنيا بينما ترمب لم يتولى أي منصب عام أو حكومي. ريجان كان – رغم خلفيته السينمائية - سياسيا محافظا حقيقيا ومرموقا بينما ترمب فهو صاحب شخصية ضحلة باعتراف الجميع ممن قابلوه حتى أنه لم يستطع حتى أن يسمى كتاب واحد قرأه خلال مناظراته مع كلينتون. فالبون بينهما شاسع.
ولعله من خلال معايشتي للمجتمع الأميركي لفترة تزيد عن الثلاثين عاما أستطيع أن أجزم أن الانقسام الأميركي الحادث الآن حقيقي وسيظل ولفترة طويلة قادمة ولكن أيضا مقتنع تماما بأن المؤسسات الأميركية ستنجح في ترويض هذا القادم الجديد للبيت الأبيض وأنها سرعان ما ستقول له ما قال عمر لأحد ولاته حين خرج عن الصراط المستقيم «لقد كثر شاكوك وقل شاكروك فأما اعتدلت واما اعتزلت».
بقلم : حسن يوسف علي

حسن يوسف علي