كتاب وأراء

جريمة لا يعاقب عليها القانون

ذهب الأديب الألماني «جيتة» لزيارة قسيس من أصدقائه، وهناك تعرف على ابنته السمراء الظريفة الجميلة وبرفقتها خطيبها المتحفظ المتجهم والذي قال عنه: رفض هذا الرجل الكئيب أن يشترك في الحديث، وغاظني أن أكتشف أن صمته لم يكن نتيجة نقص في مواهبه وإنما نتيجة وسواس ومزاج عكر، وليس يكربني قدر أن أرى الناس يعذب أحدهم الآخر لاسيما حين يكونون في زهرة العمر في العراك والخصام ولا يفطنون إلى خطئهم إلا حين تكون فرصة الإصلاح قد فاتت. فلم أتمالك إغراء شن الهجوم على المزاج النكد، فقلت لصديقي: إننا نميل إلى الشكوى دونما سبب يذكر. إننا نلقي المواعظ ضد الكثير من الجرائم، ولكنني لا أذكر موعظة قط ضد المزاج العكر. وهل هناك شيء يجدر أن يلقب بالجريمة أكثر من أن نسيء إلى أنفسنا وإلي من حولنا؟!، هل يجب أن يحرم كل منا الآخر من البهجة التي نستطيع جميعا أن نخلقها لأنفسنا، إن النكد ينبعث من إحساس داخلي بنقص المواهب وهو شر لابد من مقاومته. وثقل الدم قد يكون بالصمت أو بالثرثرة التي لا داعي لها وأستشهد هنا بقول الشاعر «بهاء زهير» إنه ليكون في المجلس عشرة كلهم يخف علي «أي أستلطفهم» فيكون فيهم الرجل الذي أستثقله فيثقلون علي. أي أن شخصا واحدا مقيتا بإمكانه أن يسحب كل الطاقات الإيجابية من المكان الذي يوجد فيه، ونصح الطبيب «بختشيوع» الخليفة المأمون بقوله: لا تجالس الثقلاء فإننا نجد في كتب الطب أن مجالسة الثقيل حمى الروح.. أي تتلف الروح وتمرضها.. وهذا ما أكده الإمام الشافعي فكان يقول: ما جالست ثقيلا إلا وجدت الجانب الذي يليه من بدني كأنه أثقل من الجانب الآخر، وسئل الأعمش مما عمشت عيناك فقال من النظر إلى الثقلاء. وكان أحد الظرفاء يقول إذا أقبل أحد هولاء قد جاءكم الجبل فإذا جلس معهم قال قد وقع عليكم، وفي الثقلاء قال سفيان الثوري: ما نظرت قط إلى ثقيل أو بغيض إلا كحلت عيني بماء الورد (المراد غسلها) مخافة أن يكون قد التصق بها شيء. ومن أقوال الإمام حماد بن سلمة الذي مات وهو ساجد في صلاته عند رؤية ثقال الدم: ربنا اكشف عنا العذاب إنا مؤمنون. ومن الحكايات التي يرويها الجاحظ حكايته مع الرجل الذي جاء يستشيره بعد أن سمع أنه ملم بألف جواب مقنع فقال له: إذا قال لي شخص يا جاهل.. يا ثقيل الروح.. أي شيء أقول له؟ رد الجاحظ قل له: صدقت.

بقلم : وداد الكواري

وداد الكواري