كتاب وأراء

عودة الكاوبوي الأبيض

لم تصح توقعات المحللين السياسيين عن وصول هيلاري كلينتون إلى سدة رئاسة أقوى دولة في العالم، لا لأن السيدة كلينتون غير جديرة بالحكم، فهي حسب آخر الإحصاءات حصلت على نسبة أصوات أعلى بكثير من منافسها ترامب، لكن النظام الانتخابي الأميركي هو من سمح لترامب أن يكون رئيسا رغم فارق الأصوات، لم تنجح هيلاري كلينتون في الوصول إلى النهاية المرجوة، فالولايات المتحدة،الأميركية، البلد الأول للحريات في العالم، لم تستطع التخلص حتى هذه اللحظة من العنصرية والتمييز الذين طبعا التاريخ الأميركي بطابعهما، وكان ثمن التخلص منهما قانونيا عشرات الآلاف من ضحايا الحروب الأهلية، ومع ذلك بقيت جذروهما في اللاوعي الأميركي على ما يبدو.
فبالإطلاع على من صوت لترامب في الانتخابات، يتضح أن الذكور البيض الكهول هم النسبة الأعلى، بينما من صوت لكلينتون كانوا من الأقليات العرقية والدينية إضافة إلى الشباب والنساء، ولا يبدو هذا مستغربا بالنظر إلى تصريحات ترامب،منذ بداية حملته الانتخابية، الموجهة ضد المهاجرين عموما، وضد المسلمين والعرب على وجه خاص، أيضا بالنظر إلى تاريخه في التحرش الجنسي واستهزائه من النساء، استطاع ترامب في حملته الانتخابية اللعب على ذكورية وعنجيهية «الكاوبوي»، التي ما زالت تفعل فعلها في العقلية الأميركية مستخدما لغة شعبوية لم يعهدها الشارع الأميركي في لغة النخب السياسية التي عادة ما تكون محسوبة بدقة، هذه اللغة الشعبوية زادت من شعبية ترامب لدى الشريحة التي تعمل في المهن التي لا تحتاج إلى تعليم عالي أو حتى متوسط، هذه الشريحة نفسها مازالت تعيش على أوهام راعي البقر الأبيض الخارق القوة، الذي صنع تلك الأميركا التي يحبون، والتي أصر ترامب في حملته الانتخابية على استعادتها.
وهي نفس الأحلام التي تراود الكثير من الجمهوريين: استعادة المجد الأميركي العظيم، الذي يرون أن الديمقراطيين قد فتكوا به، هذه العقلية لن تقبل أن تكون على رأسها امرأة، فالمرأة لهؤلاء ليست أكثر من درجة ثانية أو ثالثة في المجتمع، مثلها مثل الأقليات العرقية والدينية، سيكون بمثابة الكارثة لهولاء وصول هيلاري كلينتون إلى الرئاسة، بعد ثماني سنوات من حكم أوباما «الأسود»، العنجهية الذكورية العنصرية البيضاء لن تستطيع التسامح مع ذلك، وهو ما جعل العنف بداخلها يظهر بشكل مفاجئ في الاعتراض على التظاهرات التي قامت في بعض المدن الأميركية ضد ترامب إثر إعلان فوزه، كل ما سبق يبدو مفهوما وطبيعيا، فما أبداه ترامب من عنصرية وفجاجة في تصريحاته ثم فوزه غير المتوقع لغالبية الأميركيين، حتى لمؤيدييه، تجعل من حالة الانقسام في المجتمع الأميركي أمرا صحيا وطبيعيا.
أما غير المفهوم فهو حالة الاحتفال الهستيري التي أصابت الإعلام العربي التابع لأنظمة الاستبداد.
بقلم : رشا عمران

رشا عمران