كتاب وأراء

ترامب .. هل يغير أجندته؟

لنحاول أن ننسى لحظة أفكار الرئيس الأميركي المنتخب و«المستشيط غضباً» خلال الحملة الانتخابية، ونتوقف عند المواقف الأولى التي أطلقها غداة فوزه تجاه الحرب في سوريا والوضع في المنطقة.. يبدو دونالد ترامب مستعجلاً لممارسة دوره قبل دخول البيت الأبيض كرئيس لأميركا، وهذا لن يحصل قبل شهرين من الآن، أي في 20 يناير 2017..
ففي أول حديث له، سارع إلى تحديد ملامح السياسة الخارجية التي سينتهجها، معلناً أن أولويته ليست إزاحة بشار الأسد عن السلطة، وإنما القضاء على تنظيم «داعش»، الذي كان خلال حملته الانتخابية قد حمّل مسؤولية قيامه للرئيس الحالي أوباما ولمنافسته كلينتون، فصح فيه المثل الدارج «أول دخولو شمعة على طولو»!
ورغم أن موقفه هذا لا يفاجئ كثيراً، إلا أنه لا يشكل بطبيعة الحال مدخلاً لعلاقات جيدة وبناءة مع الدول العربية التي تعارض بمعظمها بقاء الأسد في الحكم.. وقد وضح موقفه كالتالي: «أنت تقاتل سوريا، وسوريا تقاتل داعش، وعليك القضاء على التنظيم.. روسيا الآن تقف تماماً في صفّ سوريا، ولديك إيران التي تزداد نفوذاً، بسببنا، وهي مع سوريا.. ندعم فصائل معارضة في سوريا، ولا فكرة لدينا إطلاقاً عمّن تكون».. وتابع: «في حال ضربت الولايات المتحدة الأسد، سننتهي إلى واقع نحارب فيه روسيا وسوريا».
لا تبدو إذن الصورة واضحة تماماً لدى ترامب، إذ يقول الشيء ونقيضه.. فهو أولاً مقتنع أن الأسد يقاتل «داعش»، ولا يقيم أي تمييز بين الدولة السورية ونظام الأسد.. وثانياً: لا يعرف من تكون المعارضة، وثالثا: يقر أن إيران ازدادت نفوذاً «بسببنا»، أي نتيجة السياسة الأميركية، فهو يريد تحجيمها وإعادة النظر بالاتفاق النووي معها، ولكنه يخشى مواجهة روسيا.
وفي حديث آخر يؤكد أحد مستشاريه جاك كينغستون أن ترامب يريد تفعيل الدور العربي والتعاون مع دول الخليج والبحث مع روسيا في كيفية إنهاء الحرب.. وبخصوص القضية الفلسطينية والنزاع المستمر مع إسرائيل، الذي يصفه بـ«حرب بلا نهاية»، يعلن ترامب عزمه على «إبرام الصفقة المستحيلة، الصفقة الأعظم».. صفقة من أي نوع، وكيف؟ علما بأنه كان أعلن خلال الحملة الانتخابية عزمه على نقل السفارة الأميركية في إسرائيل إلى مدينة القدس.
إنها إذن بعض العينات من أفكار الرئيس الأميركي المقبل، الذي يعكس انتصاره انقساماً عميقاً، عامودياً وأفقياً، داخل المجتمع الأميركي أفرزته المواجهة الانتخابية الأخيرة، والذي يبدو أن ترامب قد تنبه له، فسارع إلى تبني خطاب معتدل، وإعلان التزامه بإعادة توحيد أميركا، ومحاولاً دغدغة عواطف الأميركيين بشعار «أميركا قوية مجدداً»، من دون أن ينسى الإشادة بمنافسته كلينتون وبذكائها، بعد أن كان قد هددها بالسجن خلال إحدى مناظراتهما الانتخابية.
المهمة ليست سهلة، فالتظاهرات ضد انتخابه مازالت مستمرة في عدد من الولايات والمدن الأميركية، وتحديداً من قبل جيل الشباب الذي لم ينس مواقفه العنصرية ضد السود والمهمشين وضد المسلمين، ومواقفه من المرأة وحقوقها. أما على الصعيد الخارجي، فإذا كانت روسيا وإسرائيل تعتبره نصراً لها، فهو يشكل بالمقابل كابوساً بالنسبة للجارة المكسيك، التي يريد ترامب أن يقيم حائطاً بينها وبين الولايات المتحدة، ولبعض الدول الإسلامية التي يريد إرجاع مسلمي أميركا إليها! وقبل هذه وتلك، فإن فوزه يقلق دول أوروبا المتمسكة بـ«حلف شمال الأطلسي»، ويعطي دفعة قوية للتيارات القومية المتطرفة، والديماغوجية والشعبوية منها.
لقد سبق للولايات المتحدة أن فاجأت العالم، وانتخبت أول أسود أو غير أبيض رئيساً للجمهورية، ثم جددت له ولاية ثانية، وكادت أن تنتخب أول امرأة رئيسة في تاريخها.. كما أن الدولار يؤثر طويلاً في اقتصادات العالم، ولكنها المرة الأولى التي يعيش فيها العالم حالة من «الخوف» على أميركا!
فهل ينجح ترامب في وقف مفاعيل الزلزال وإعادة ثقة أميركا بنفسها وإعادة تركيب صورتها في العالم؟
بقلم سعد كيوان

سعد كيوان