كتاب وأراء

أنا والزلزال

سوف أشطب من كل ما أقرأه، أي استطلاع رأي أينما كان في العالم، فلن أصدق هذه الاستطلاعات بعد اليوم، ولن أجعلها ثانية تخدعني مثلما خدعت استطلاعات سابقة نتائج الانتخابات في بلاد العم سام الأميركيين والعالم.
فقد كان الليل قد انتصف، وحل موعد النعاس في ليلة الانتخابات الأميركية، فاستسلم المرء لسلطان النوم، وقد جعلته استطلاعات الرأي يعتقد، دون ريب، انه سيكون في صباح اليوم التالي على موعد أكيد مع خبر فوز هيلاري كلينتون.
فرك المرء عينيه عند يقظته، ولكن على خبر كما الزلزال، فدونالد ترامب يلقي خطاب الانتصار أمام مؤيديه ذوي القبعات الحمراء
نحن، إذا، أمام احدى خدعتين، أولاهما: إما أن الإعلام الأميركي، بجلالة قدره، قد خدع قراءه ومتابعيه في أميركا والعالم، وجعلهم يقرؤون الحال الانتخابي الأميركي، كما لو أن هيلاري فائزة لا محالة، ما يعني انه صار من الضروري والمهم جدا، البحث في أسباب عمى هذه الاستطلاعات، وعلى هذه النحو الذي يجعلها تشت بعيدا عن الحقيقة، وتنتهي إلى عناوين خاطئة.
من المؤسف التحدث على هذا النحو عن الإعلام الأميركي المتفوق بمهارة وجدارة تاريخية لا يرقى إليها شك، حتى أن نظما إعلامية في أنحاء العالم تتخذ من الإعلام الأميركي قدوة لها، ومثلا يحتذى به، وهو أهل لكل ذلك.
وثانيتهما: ان هذا الرئيس الملياردير قد تذاكى، بل وتذاكى جدا، على كل الأطراف المكونة للمعادلة الانتخابية، ومن ثم نجح في خداع الجميع في الهزيع الاخير من المنافسة الانتخابية، ليحقق هذا الزلزال المباغت.
كنت انظر إلى ترامب خلال النشرات الإخبارية وأقول في نفسي: لن تفلح ايها «الترامب» إلى استدراج كلينتون، هذه المرأة الذكية جدا، إلى الفشل، فلماذا اخترت ايها الرجل ان تفشلك امراة، لتعلن الانتصار عليك امام العالم، وكنت، وغيري كثر، أتوقع سقوط هذا الرجل سقوطا مروعا، فإذا به يفاجئ الجميع بزلزال فوزه، ومن ثم أظن انه لا يفعل ما فعله ترامب الا رجل «مقطع السمكة وذيلها» في السياسة والحياة.
وكنت أظن، وغيري كثر، أن جلّ ما في المسألة ان الرجل يتوهم ان الانتصار في عالم المال والاعمال، يسوغ له الانتصار في الانتخابات، بينما الانتصار في عالم السياسة بحاجة إلى خبرة، وان هذه الخبرة تكنزها كلينتون، بينما يفتقر اليها كليا هذا «الترامب»، وأننا فقط سنشهد مباراة انتخابية تشبه إلى حد كبير مباراة كرة قدم بين منتخب البرازيل ومنتخب دولة فقيرة من دول العالم الثالث، فإذا بهذا الترامب يفاجئنا ان فريقه الانتخابي يضم لاعبين انتخابيين بعيار «ميسي» و«رونالدو» و«محمد صلاح» و«بيليه»...الخ، وانه سدد أهدافا ذكية في مرمى كلينتون.
ليس هذا ضوءا متفلسفا ألقيه على هذا الزلزال، ولكنه نتاج صدمة صباحية تسببتها استطلاعات رأي افتقرت إلى موضوعية وربما حرفية علمية.

بقلم : حبشي رشدي

حبشي رشدي