كتاب وأراء

القدرة الخطابية للصورة

(إن كل صورة هي حكاية).. رولان بارت.
هل تقدمت الصورة لتكون حلا بديلا لنخبوية الكتابة؟!، أو ليكون السؤال: هل تقدمت الصورة للصف الأول خطابيا لتكون حلا مثاليا وبديلا وأبديا للكتابة؟!، والسؤال يشمل التصوير كفعل خطابي عموما، ليس الصورة فقط، بل التصوير بكافة أشكاله ووسائله وأدواته التي سبقت وصاحبت هذه الثورة في الاتصالات وتقنيتها، مع عدم تغييب الفارق بينهما، هل انتزع خطاب التصوير، السهل، والشفوي، والمتاح، والجماهيري بحكم الضرورة، سلطة خطاب النخبة، سلطة نقل الأفكار، وترويجها، وتقديمها، إذ لم يعد الأمر والحال كذلك منوطا بقدرات خاصة ولا إبداعية، لنقل مثل هذه الأفكار، لقد أصبح الجميع يمتلك هذا الحق، وله القدرة عليه. إذ أن هذه القدرة الشفوية التي تنطوي عليها الصورة والتصوير بشكل عام، لا تحتاج إلى الكتابة بكل ما تستدعيه من قدرات ومهارات وإعداد، أي كل ما يشكل الفارق بين تدفق وكثافة ما هو لساني ولا لساني، وإن في الحد الأدنى، ثم هي بامتلاكها في الغالب هذه الشفوية الصامتة المحايدة، تخفي أدواتها التي يقول عنها الأستاذ محمد السموري «إن الصمت من حيث هو دلالة وبلاغة وثقافة ولغة تتجسد فيها كل لغات العالم، يتوضح مفهومه في خطاب الصورة»، ثم علاوة على القدرة الشفوية للتصوير وللصورة، وبالإضافة أيضا لتفوقها على مستوى الماهية، ذلك المستوى الذي نقل إدراك الخطاب إلى أفق جديد، تمتلك هذه الأداة الجديدة في الخطاب القدرة على الاختصار، مستغنية بذلك، أو مقدمة بذلك للمتلقي قدرة فائقة على التحكم في الوقت، وقته الخاص، إذ لم يعد بحاجة إلى كل ذلك الوقت الذي يحتاجه الخطاب المكتوب كي يتم الوصول إلى محتواه، أصبح كل ما يحتاجه المتلقي من وقت لا يستغرق أكثر من لمحة خاطفة، مستغنيا بذلك عن المكان والزمان التي كان يحتاجها المحتوى المكتوب، إذ وهي بكل هذا التدفق والكثافة والحضور لم يعد من النادر أن تشاهد عشرات من التلقي أثناء المشي أو الركض أو حتى السباحة، الأمر لا يستغرق أكثر من عدة ثوان، غير مشترطة مكانا ولا زمانا يتم تعيينها مسبقا، لتفهم كل ما يود أن ينقله لك المُخاطِب في الجهة الأخرى. ثم هذا الجو من التكافؤ في التلقي بين الجميع، لم يعد الأمر يحتاج إلى مهارات من نوع خاص لمثل هذا الأمر، لتلك الذهنية التي يحتاجها فهم الخطاب المكتوب، الكل يستطيع فهم الصورة، فهم محتواها وغايتها، وإن ظاهريا على الأقل.
من الواضح أن هناك مقاومة يائسة للاعتراف بقرب غياب مجد الخطاب المكتوب، أو تراجعه إلى الصفوف الخلفية، بعد أن ظل مسيطرا لفترات طويلة من التاريخ الفكري البشري التواصلي. بالطبع الأمر لا يتعلق هنا بالنقد، ذلك النقد الذي يوجه إلى سطحية وفجاجة وهامشية الكثير مما يقدمه هذا الخطاب الجديد الذي واكب هذه الوسائط والتقنيات، بالإضافة أيضا إلى الكثافة الدلالية والرمزية، ولا بعمق وديمومة وأصولية الخطاب المكتوب، الأمر يتعلق بالأحكام التي يفرضها الواقع، الصيرورة التي يصل إليها هذا الجريان في الوسائل، والتي، ليس بحكم الرغبة فقط، يجب الاستسلام والتعايش والفهم ثم استثمارها لاحقا.. إذ لا يمكن الانزواء ولا الهرب من هذه الملاحقة الدائمة لهذا الخطاب، الذي يستهدف كل من له صلة بالتقنية الجديدة.
أظن الواقع يجيب على السؤال الافتتاحي هنا، لم نعد بتلك الحاجة الملحة لمكتوب، خارج الفكري والمتخصص، بينما في مقدورنا متابعة المشاهد، ليس هذا وحسب، بل وأيضا الاستمتاع به وإدمانه مثلما يصارحنا الواقع، بالطبع سوف يستمر للخطاب المكتوب صفته التفسيرية والتحليلية، لكنها صفتان ثانويتان، نصا ثانيا، على النص الأول الذي أصبح بحكم الواقع الآن ذلك الخطاب الصامت والمعبر الذي تقدمه لنا وسائل الاتصال الحديثة من خلال الصورة والتصوير.

بقلم : ضيف فهد

ضيف فهد