كتاب وأراء

«ترامب» .. ونموذج القرصان «مورجان»!

1- -
وحده المُخرِجُ السينمائي الأميركي »مايكل مور«، الذي توقع قبل 4 أشهر فوز المرشح الجمهوري دونالد ترامب في انتخابات الرئاسة الأميركية.  إلى ما قبل فرز الأصوات بساعات، كانت كل التوقعات واستطلاعات الرأي العام، تُرجِّح فوز المرشحة الديمقراطية هيلاري كلينتون.

 المخرج مايكل مور كان يسبح عكس تيار التوقعات، حينما قال:
(يؤسفني أن أكون حامل الأخبار السيئة، لكنني صارحتكم بالأمر الصيف الماضي عندما أخبرتكم بأن دونالد ترامب سوف يكون المرشح الجمهوري للرئاسة. والآن لديَّ أخبار أكثر سوءاً وإحباطاً: سوف يفوز دونالد ترامب في نوفمبر. ذلك البائس الجاهل الخطِر المُهرِّج بدوام جزئي والمعادي للمجتمع بدوامٍ كامل سوف يكون رئيسنا المقبل، الرئيس ترامب، امضوا قدماً وقولوا الكلمتين؛ لأنكم سوف تقولونهما طوال السنوات الأربع القادمة: »الرئيس ترامب«).
- 2 -
نحن كذلك، ظننَّا أن الضربات المتتالية التي تلقَّاها ترامب من حملة هيلاري - ومنها شخصياً - في المناظرات الثلاث، قد أجهزت على الثور الهائج، ولن تكون نتائج الانتخابات سوى ميقات لفظ الأنفاس الأخيرة ومراسم التشييع!
هيلاري بنَتْ حملتها الانتخابية في الأساس على شيطنة ترامب، وإبراز مخاطر وصوله للبيت الأبيض، فلم تترك سيئة أو نقيصة إلا ونَسَبَتها إليه، ولم تترك في سيرته نقطة بيضاء أو بصيص ضوء.
الصورة التي رسمتها حملة كلينتون لترامب، أنه شخص شرير وعدواني ومتهور وعنصري ومتحرش بالنساء ومتهرب من الضرائب.
شعرنا وقت ذاك، أن الهزيمة بدأت تتسلل لروح ترامب وتسكن ملامح وجهه المُتعجرف، حينما اعترف بصورة غير مباشرة بخسارته الجولة الأخيرة من المناظرات.
أغلب الصحف الأميركية أبرزت قوله إنه قد لا يعترف بنتائج الانتخابات لعدم نزاهتها!
لم يكتفِ ترامب بذلك الموقف الغريب عن السيرة التاريخية للانتخابات الأميركية؛ بل سدد طعنة هوجاء في الهواء، وهو يشكك في نزاهة المناظرة الأخيرة، وقال إن هيلاري اطّلعت على أسئلة المناظرة قبل بدايتها.
- 3 -
حينما جاء ترامب للتصويت بنيويورك تعالت أمام وجهه صيحات الاستهجان، وصرح قائلاً: إن ماكينات الاقتراع تقلب أصوات الجمهوريين إلى أصوات ديمقراطية!
أحد مساعدي ترامب صرح لـ(سي إن إن)، قبل ساعات من إعلان نتائج الانتخابات: (سنحتاج لمعجزة للفوز)!
إذاً، الجميع تعاملوا مع فوز ترامب باعتباره معجزة انتخابية، وربما ترامب وحزبه هما أكثر الذين فوجئوا بهذه النتيجة التي جعلت العالم أجمع يضع يديه على رأسه.
- 4 -
بكل تأكيد، نتائج الانتخابات الأميركية كشفت جوانبَ لم تكن مُضاءة بالقدر الكافي في شخصية الناخب الأميركي.
ترامب يخاطب العقل الأميركي المسكون بالهواجس »من الآخر«، والراغب في العزلة عن العالم والانغلاق على الذات.
  ترامب لا يعد الشعب الأميركي بحروب جديدة، كما كانت تفعل هيلاري وهي تتحدث بعنف تجاه روسيا ورئيسها بوتين، فيُشْتَمُّ من حديثها روائح البارود ومناخ الحرب الباردة.
 ترامب يَعِدُ المواطن الأميركي بتحصيل أموال من جميع الدول التي تُقدِّم أميركا دعماً أمنياً وعسكرياً لها؛ في دول الخليج إلى الاتحاد الأوروبي إلى اليابان وكوريا الجنوبية.
ترامب يُعبِّر عن الذهنية الأميركية التي أنتجت قانون (جاستا)، وهي ذهنية تُعبِّر عن نموذج القرصان مورجان في الثقافة الأميركية، حيث يُتيح لهم القانون سرقة الأمانات الموجودة في بنوكهم وعلى أرضهم، من العرب الذين وثقوا في نظامهم المصرفي والقانوني.
- 5 -
ظن البعض أن أميركا باختيارها لدونالد ترامب قد تغيرت عن ما كانت عليه، ولكن الحقيقة البائنة، أنها كشفت عن حقيقتها المخفية والكامنة في جيناتها السياسية، والتي يُمثِّل ترامب أبرز رموزها، ويُمثِّل خطابُه أوضحَ تجلياتها.
من التحليلات الطريفة التي تحاول إيجاد تفسير لفوز ترامب، قول بعضهم: إن لصراحته وعفويته غير المعهودة عند السياسيين المحترفين أبناء المؤسسة الحاكمة دور في ميل 300 مليون ناخب إليه.
الأميركيون يريدون رئيساً خارجَ النسق القديم، رئيساً مُفاجئاً يصعب التنبؤ بردود فعله، يمنحهم إثارة أفلام الآكشن، وفكاهة مسلسلات الكوميديا، لا يُشبه بوش في غبائه وسماجته ولا أوباما في سلبيته وتردُّده!

بقلم : ضياء الدين بلال

ضياء الدين بلال