كتاب وأراء

لا قِناع يبقى ولا حال يدوم


حياتنا مراحل ولكل مرحلة قناعات، لكن البعض يرى أن لكل مرحلة قِناعات، فإن كانت القناعات «بفتح القاف» يمكن أن تتغير بناء على نضجنا الفكري والثقافي وتطورنا في مجالات الحياة فإن البعض يجتهد في ارتداء القِناعات «بكسر القاف» في اليوم بعدد ساعاته الأربع والعشرين، لذلك أنا لم أقع أعزائي في فخ تشابه المفردات بل وضعتني ملاحظاتي اليومية في بؤرة الاهتمام بما حولي بشكل مباشر، فالأقنعة العاطفية والنفسية والاجتماعية، كلها تفتك بالمجتمعات وتؤثر في العلاقات الإنسانية أكثر من تلك الأقنعة المادية الملموسة التي يضعها لص أو مجرم ليرتكب جريمة ما، فمثل هذه الجرائم قد لا تتكرر يوميا ولا تؤثر في نفسيات أفراد المجتمع بالدرجة التي تؤثر بها تلك الأقنعة المعنوية السلبية التي يرتديها الكثيرون طوال اليوم، وتكاد تكون ملاصقة لوجوههم التي يظهرون بها أمام الناس خارج حدود المنزل، كيف يمكن للمرء ألا يكون نفسه وكيف يرضى أحدنا بأن يقدم نفسه للآخرين بشكل مختلف عن حقيقته وجوهر روحه؟ والسؤال هل من السهل على الناس أن يظهروا في كل موقف بشكل مختلف وأن يتلونوا تلوّن الحرباء بحسب ما تقتضيه المواقف؟ وإذا كان هناك شخص يخجل من الظهور أمام الآخرين بشخصيته الحقيقية التي قد تكون جشعة أو متسلطة أو غير ذلك من الصفات السلبية، فلماذا يحرص على إخفائها عن الناس ويرضى بإبقائها في نفسه؟ ولماذا لا ينهض بمهمة تغيير الصفات السلبية أو تلك التي يخجل من إظهارها أمام الآخرين، ولا يسعى لتعديل سلوكه الذي يشعره بالخزي والخجل بحيث يصبح السلوك المستعار من خلال القناع هو سلوكه الطبيعي دون العودة بعد انتهاء المواقف أمام الآخرين إلى سابق طبعه وعادته؟ لا شك في أن خجل هؤلاء من كشف حقيقتهم البعيدة عن جوهر البشرية هو الذي يدفعهم للتستر خلف الأقنعة، هذا هو السبب العام المشترك بين جميع المواقف التي يرتدي فيها شخص ما قناعا، مهما اختلفت التفاصيل من موقف لآخر ويسعى سعيا شكليا لتجميل نفسه غاضًّا طرفه عن قبحه الداخلي فالمهم عنده هو أن يظهر أمام الآخرين بالشكل الذي يعجبهم ويرضيهم، دون قناعة منه بضرورة أن يكون كذلك قلبا وقالبا لذلك يسعى سعيا حثيثا للوصول إلى هذه الغاية وينشغل بها كي يصل من خلالها لأهدافه، ولا يهتم إطلاقًا بتنقية ذاته وتشذيبها وتجميلها.
تبدو الأقنعة - في نظري - أشبه بالسلم الذي يصعد به الإنسان نحو هدفه فهو يدوس على إنسانيته، وأحيانا على قيمه ومبادئه كما يدوس على درجات السلم كي يصعد ويصل لغايته، والذي يرضى بأن يظهر بوجه غير وجهه لا يمكن أن يُؤْمَن على شيء أبدا، لأنه لم يصن نفسه ولم يحافظ عليها كما هي، ولم يحسن تقديمها للآخرين، وارتضى أن يقدم بديلا عنها وجها يمكن أن يُسَوِّقه لديهم، كي يصل إلى ما يريده منهم فقط ثم يلقي بهذا البديل في أقرب سلة مهملات، وإذا كان من الضروري علينا جميعا أن نتحصن ضد الصدمات النفسية الناتجة عن سقوط الأقنعة كي لا يكون أثرها علينا كبيراً ومؤذياً جداً، وذلك بأن نهيئ أنفسنا دائماً إلى أن نكتشف ذات يوم - مثلا - أن هذا الصديق الذي رافَقَنَا عمراً طويلاً لم يكن كما ظنناه، ودعوني أسأل أمرا من تجارب حياتية لمرتدي الأقنعة.. هل تبدو راضيا عن نفسك حين تضع رأسك على وسادة ناعمة بينما تنهش في رأسك سهام الضمير المتبقي بداخلك حين تتذكر ما فعلت نهارا بعد ارتدائك قناع الخبث والغدر أمام من لا يستحق منك ذلك!؟ ـ إذا يبدو أنه بات علينا أن نطور القَناعات لنبدو أرقى وأفضل لغدنا وأمتنا.. ودمتم بود.
بقلم : ابتسام الحبيل

ابتسام الحبيل