كتاب وأراء

الاجتثاث .. ثقافة لها تاريخ وحاضر

عندما بدأت عمليات «اجتثاث البعث» في العراق تحت إشراف قوات الاحتلال الأميركي، لم تكن تلك العمليات اختراعاً عراقياً. انها ثقافة ضاربة في أعماق تاريخ العلاقات بين الشعوب. فالمهاجرون الأوروبيون إلى الولايات المتحدة مارسوا ثقافة الاجتثاث ضد الهنود الحمر. وكذلك فعل الاسبان والبرتغاليون في أميركا الجنوبية.
وحتى جماعات المجرمين الذين صدرت بحقهم عقوبات نفي في بريطانيا، والذين نقلوا إلى مكان لا رجعة منه، أي إلى استراليا، مارسوا ثقافة الاجتثاث هناك ضد السكان الاصليين.
ولا يقتصر الأمر على التاريخ البعيد. فالاسرائيليون يقومون باجتثاث العرب من أرضهم المحتلة. والداعشيون حاولوا اجتثاث الايزيديين من منطقة سنجار. كما حاولوا اجتثاث المسيحيين في سهل نينوى في العراق. ويتعرض المسلمون في ميانمار إلى الاجتثاث على نطاق واسع. وسبق أن تعرضوا في الاندلس إلى الاجتثاث من خلال محاكم التفتيش الدينية.
حاول صدام حسين اجتثاث الأكراد، حتى انه قصفهم بالمواد السامة. وحاول اجتثاث الكويتيين عندما احتل بلادهم واعتبرهم شعباً غير موجود!. وقبله حاول النازيون اجتثاث اليهود في ألمانيا، بل في كل أنحاء أوروبة، «كحلّ نهائي» للقضية اليهودية. ولكن الذين نجاهم الله من المحرقة هناك، يمارسون المحرقة هنا ضد الفلسطينيين.. غزة نموذجاً!!
في احدى مراحل الصراع الفلسطيني – الاسرائيلي، رفعت حركة التحرير الفلسطينية شعار «القاء اليهود في البحر». كان ذلك تعبيراً عن ثقافة الاجتثاث.
وحاول جوزف ستالين اجتثاث شعب شبه جزيرة القرم والقائه في معسكرات الموت في سيبيريا خلال الحرب العالمية الثانية. لم يرفع ستالين شعاراً ؛ ولكنه مارس سياسة على الأرض، فكان مع هتلر مسؤولين عن مقتل عشرة ملايين إنسان.
واليوم يتعرض أنصار الداعية التركي فتح الله غولن إلى الاجتثاث في تركيا بعد محاولة الانقلاب العسكرية الفاشلة التي اتهموا بالقيام بها. كما يتعرض «الاخوان المسلمون» إلى الاجتثاث في مصر بعد «الانقلاب الديمقراطي» الذي أسقط سلطتهم السيئة السمعة.
ولكن هل ان ثقافة الاجتثاث أثمرت في أي مكان في العالم؟.
حيث فشلت ثقافة الاجتثاث «كحل نهائي»، جرى استحداث ثقافة العزل الوقائي كحل مرحلي يمهد ويفتح الطريق إلى الاجتثاث. وتقوم هذه الثقافة على فرضية ان العزل يؤدي إلى الاختناق. وان الاختناق يؤدي إلى الاجتثاث الذاتي. ويكون العزل ببناء جدران الفصل العنصري. وهو ما فعلته اسرائيل في الضفة الغربية، وهو ما قررت أن تفعله أيضاً في غزة. وهو ما تعهد القيام به المرشح للرئاسة في الولايات المتحدة من الحزب الجمهوري دونالد ترامب مع المكسيك. وبسبب عدم توفر التمويل الكافي، اكتفت المجر ببناء جدار من الاسلاك الشائكة على طول حدودها الجنوبية والشرقية لمنع مرور المهاجرين السوريين عبرها إلى الدول الأوروبية الأخرى. اما ماذا يكون مصير أولئك الذين وجدوا أنفسهم محتجزين خلف الشريط الشائك.. فانه أمر ثانوي.. المهم أن لا يفسدوا المجتمع الهنغاري بمرورهم عبره.. حتى ولو ماتوا جوعاً.. واجتثوا من فوق الأرض!!
يقوم الصراع بين أي طرفين على فرضية غالب ومغلوب. الغالب هو الذي يلقي خصمه أرضاً ويحمله على الاستسلام لإرادته. ولكن الأمر لم يعد كذلك. فالاستسلام حالة مؤقتة. والمطروح أرضاً قد يعمل على استعادة قواه استعداداً للانتقام. ولذلك فان الحل لم يعد يقتصر على الحاق الهزيمة بالخصم السياسي أو العقائدي، بل باجتثاثه. تلك هي ثقافة الحركات العنصرية الالغائية للآخر المختلف، التي تؤمن بالتفوق وبالفوقية، كالنازية.. والفاشية (وكذلك الصهوينية). وهي الحركات التي بدأت تنتعش من جديد في أوروبة لاجتثاث المهاجرين المسلمين والتخلص منهم.
يشهد العالم العربي اليوم محاولات اجتثاث مذهبية وعنصرية معاً. ليست هذه المحاولات على بشاعتها جديدة على تاريخ المنطقة. غير ان الجديد فيها هو انها تؤكد ان العرب لم يتعلموا من تاريخ معاناتهم الذاتية.. ولا حتى من تاريخ استثمار خلافاتهم المذهبية في لعبة الأمم.
فالبعد المذهبي المفتعل للصراع يعطل دور الإسلام كقوة جامعة. والبعد العنصري المفتعل أيضاً يعطل دور العروبة كقوة موحدة. ومع تفاقم هذين العاملين تنتشر ثقافة الاجتثاث.. كحل يريده كل طرف أن يكون حلاً نهائياً لحالة أصبحت من مكونات «جيناتنا» وجزءاً من خلايانا الحية.
لا يكون حل بالإلغاء.. ولا بالاجتثاث. يكون الحل باحترام الاختلاف وباعتبار وجوده تعبيراً عن ارادة الله.. وان الله وحده هو الذي يحكم بيننا يوم القيامة فيما كنا فيه مختلفين.

بقلم : محمد السماك

محمد السماك