كتاب وأراء

نحو تمييع الهويات!

لا يمكننا أن نُنكر أنَّ هناك حربًا ضروساً تشنها الآلة الأميركية والصهيونية نحو الإسلام وأتباعه، فهذه النظرية أصبحت (منتحرة) التصديق في كل مكان، فكما تطبخ الإدارة الأميركية سياسة العالم واستراتيجيته، تقوم بتلفيق التهم وخلق الجماعات التكفيرية والإرهابية التي خدشت صورة الإسلام والمسلمين في كل مكان، والحديث اليوم يدور حول (دين جديد) تروج له هذه الإمبريالية التي تهيمن على العالم لتخرج العالمين من قدسيه الإسلام وإيمانه المتجذر في نفوس المؤمنين المسلمين.
الدعوة لدين جديد لم تأتِ نتاج خبط عشواء، بل جاءت بعد استقراء العم سام وأذياله لدور الدين الحنيف في المجتمعات الإسلامية والتي يلعب فيها دور (البطل) في سن القوانين والشرائع ومن ثمّ يخضع لها ولاة الأمر في بلاد الإسلام وشعوبها بالطاعة اليقينية الإيمانية المطمئنة، ولأن الكثير مما يدعو له الإسلام ابتداء من التوحيد المطلق للذات الإلهية السامية مرورا بالشرائع التي يمارسها المسلمون خلال اليوم والشهر والسنة انتهاء بالميزانيات التي يخصصها المسلمون دوريا لدعم القيم الإسلامية والإنسانية في كل مكان والتي تساهم بدورها في تزيين صورة الإسلام لدى الآخر فيقبل عليه أبناء الأديان الأخرى الذين يجدونه الخيار الإيماني الأصح مستنكرين أيديولوجياتهم المتبعة أو أديانهم الوضعية المعتنقة بعد مقارنة معتقدنا السامي بمعتقدهم المتناقض الناقص دون شك، كل هذا وأكثر شكل هاجساً وقلقاً كبيراً أمام الإدارة العالمية الكبرى والتي وضعت جل قدراتها المتعاظمة من أجل نشر صورة نمطية سلبية عن الإسلام والترويج لدين جديد هو أقرب إلى اللادين، فيتحرر الناس من قدسية المعتقد الديني الإلهي القويم ويبحثون عن أي ملاذ دنيوي آخر يؤمنون بتوجيهاته ودستوره ويعتنقونه أيّما اعتناق، وفي ذلك سعت أميركا وأذنابها سعيًا عظيما!
وفي مقال للدكتور أنيس طه بعنوان: (حوار الأديان بين بناء جسور التفاهم وحفظ الهوية) جاء فيه: إنَّهُ في السياق الأميركي تم تصميم استراتيجية سميت (استراتيجية الوصول للعالم الإسلامي) وتمَّ طرحها واعتمادها وهذه الاستراتيجية إنما هي في الحقيقة عبارة عن إعادة صياغة الصفحات– مع شيء من التعديل هنا وهناك طبعاً لملفات حرب أميركا الباردة ضد الاتحاد السوفياتي طوال ثلاثة عقود قبيل نهاية القرن العشرين، ومن هنا دخل الحوار بين الأديان طوره الجديد ليؤدي دوره الفعال، جنبا إلى جنب مع الوسائل الأخرى المتاحة، في كسب حرب الأفكار، ولم تبخل الولايات المتحدة وحلفاؤها بإنفاق البلايين من الدولارات وصرفها من أجل الانتصار على العقول والقلوب، وذلك عن طريق تمويل حلفائها، أو بالأحرى عملاؤها، من رجال السياسة والمفكرين المنتسبين إلى المؤسسات الحكومية وغير الحكومية المحلية والدولية، وخاصة الفرقاء منها المنتسبين إلى الإسلام، أو ما يدعونه ويزخرفونه كثيرا بـ(الإسلام الوسط) والتي تركز نشاطها الأساسي على تعزيز ما يسمى بـ(الأفكار الإسلامية الليبرالية) وترويجها. وهي تلك الأفكار التي تحاول جاهدة أن تبرر الأيديولوجية واُلمثل الديمقراطية، من المساواة والتعددية والليبرالية والعلمانية وحقوق المرأة وحقوق الإنسان، تبريرا لاهوتيا إسلاميا بدون أدنى تحفظ، بل هي مستعدة لارتكاب أي تحريف أو إساءة تأويل في سبيل ذلك.
وكذلك يقول تقرير كابلن في هذا الصدد: إن الذي يثير الذهول أن المبلغ الأكبر لحرب أميركا للأفكار لا يأتي من وكالة المخابرات المركزية، ولا من وزارة الخارجية، وإنما من الوكالة الهادئة للولايات المتحدة للتنمية العالمية، فكانت هذه الوكالة الممول الأكبر لدى الحكومة للمساعدات الخارجية في ثلاث سنوات إثر أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001، فقد تضاعف ما قدمه ثلاثة أضعاف فبلغ أكثر من 21 بليوناً من الدولارات، حيث صرف أكثر من نصف هذا المبلغ في العالم الإسلامي.
قارئي العزيز، نظرا لخلفيتي الأكاديمية الثانية في مجال الإعلام، فإني أذكر أنَّهُ من بين نظريات الاتصال التي درسناها كانت نظرية (رصاصة تحت الجلد) والتي تعد من نظريات التأثير السريع على الجماهير في كل مكان، وهذه النظرية شبهت الرسالة الاتصالية هنا بالمحلول الذي يحقن به الوريد ويصل في ظروف لحظات إلى كل اطراف الجسم عبر الدورة الدموية ويكون تأثيره قويا ولا يمكن الفكاك منه، وما أود الوصول إليه هو أن ما تقوم به الإدارة الأميركية في عالم اليوم وبشكل صريح ومباشر هو دس السُمّ بالعسل والسعي لبلوغ مآربها من خلال ضرب المسلمين ببعضهم البعض وخلق نماذج إسلامية سيئة وتسليط الضوء عليها واشهارها إعلاميا، وزرع الفساد من خلال تمويل العقول المحسوبة على ديننا ومدّهم بكل أنواع الأسلحة والمعدات كي يظهروا على سطح الجغرافيا الدولية كأعداء للسلام العالمي وهكذا أصبح الإسلام هو العدو الأكبر والمسلمون هم مناط الإرهاب في أي زمان ومكان. الحقيقة إن الوعي العميق لهذه النتيجة مهم جدا من أجل التحرك وبشكل جماعي لإجهاض هذه المساعي التي تحصلَت على ترحيب عالمي كبير، فهناك أجيال متواترة طعّمَت هذه الأفكار في أذهانها دون أي تكلف، فنظرة واحدة منهم على ما ينشر عن إسلامنا في الإعلام وما يظهر على الأفق من مجازر يقوم بها المسلمون نحو مجتمعاتهم أو نحو الأبرياء حول العالم تكرِّس لهذا الفكر دون أن تتكبد الإدارة العالمية الإمبريالية أي جهود إلا تلك المبالغ البسيطة في خلق أعداء غنوصيين في صفوف البيت الإسلامي الواحد والذي أصبح مفككا اليوم للأسف الشديد.
إن الموقف يستدعي تدخلاً إسلامياً واضحاً، فالموضوع يتعدى مرحلة الوعي بحجم الدسيسة الكبير إلى مرحلة العمل من أجل اجهاض الدسيسة في الحال، قبل أن يتكبد الإسلام أكثر مما تكبده من شتات عظيم!
كاتبة وباحثة أكاديمية

بقلم : خولة مرتضوي

خولة مرتضوي