كتاب وأراء

العرب والقوى الخارجية.. تقارب أم تضارب مصالح؟

إن تأمل ما يحدث في مناطق العالم الإقليمية، من تحولات، يدفع بالضرورة للمقارنة مع الحال في منطقتنا العربية.. ففي تلك المناطق، خاصة في آسيا، حدث خلال العشرين سنة الأخيرة، تقارب، وتدارس، ثم تكامل بين الدول الإقليمية، ارتكز أساساً على الاقتصاد، والإنتاج التنافسي، كأساس تبنى عليه الدولة قاعدة قوتها المستقبلية، وذلك من منطلق استراتيجية لكل دولة، أدركت عن وعي حقيقة ما يجري من تغيير في مواقف القوى الكبرى، وهو ما دفع الدول الإقليمية لامتلاك رؤى واستراتيجيات، تراعي مصالحها أولاً حاضراً ومستقبلاً.
وكمثال على ذلك– إنشاء الحلقة الإنتاجية الآسيوية، لإنتاج مشترك تتقاسم فيه مجموعة من الدول إنتاج أجزاء من سلعة استراتيجية تنافسية واحدة، ثم تباع للغرب بأسعار أرخص مما لو أنتجت في الغرب.. وتمثل الصين ركناً رئيسياً في هذا المنتج، وتشارك فيه دول، من بينها حلفاء للولايات المتحدة مثل اليابان وكوريا الجنوبية، وباعتبار الاقتصاد التنافسي مكوناً رئيسياً من مكونات الأمن القومي.
هذا مجرد نموذج واحد للتكامل الإقليمي المتطور، وفي المقابل منه يبقى العالم العربي بعيداً عن هذه التطورات، في مجالات القدرة الاقتصادية بمعناها التنافسي، وفي السياسة، والقوة العسكرية المشتركة، رغم تمتعه بكل الأسباب التي تؤسس لمشروع تكامله– دينا، وثقافة، وتقاليد، ولغة، وتاريخ.
وهو ما يخلق فراغاً استراتيجياً، يغري كل طامع في التمدد إقليمياً، على اقتحامه. وليس بعيداً عن أعيننا، إيران، وإسرائيل..
هذا الفراغ هو الذي أوجد أدواراً فاعلة لأطراف دولية وإقليمية، فيما يخص قضايا عربية خالصة، دون أن يكون القرار العربي هو الفيصل والحكم.. ففي أزمات العراق وليبيا، وسوريا، نجد القوى الدولية تمسك في يدها بزمام الحل، أو بإرادة اللا حل، حسبما تريد، وأمامنا ما يحدث الآن في سوريا– على سبيل المثال– حيث بدأت أميركا بالإمساك بالزمام، لكنها بدت مترددة ومتناقضة في قراراتها، ثم دخلت روسيا، بدور جعلها شريكاً مع أميركا، في تقرير مصير سوريا، إلى جانب التواجد الإيراني، مضافاً إليه عشرات التنظيمات العسكرية غير السورية، التي تحرك كل منها انتماءات متباينة، ليست عربية، وكثير منها يؤدي دوره وكيلاً عن قوى خارجية.
ويسعى كل طرف لترسيخ قاعدة وجوده هناك، ليكون له نصيب من سوريا– الدولة، عند الوصول إلى لحظة النهاية، في ترتيب حل ما، للأزمة السورية.. وليس هناك ما يمنع من تقاسم الطرفين الرئيسيين، أميركا وروسيا، لجغرافية سوريا، كل بما يناسب مصلحته، وحساباته، وطموحاته الإقليمية، حتى لو كان في ذلك تقسيم جغرافي لسوريا– الوطن، ضد إرادة الشعب السوري نفسه، الذي انتفض من البداية ضد نظام حكم الأسد، طلباً لقيام دولة حرة، وطنية، ديمقراطية، يكون الشعب فيها صاحب القرار.
وإذا كانت روسيا تطمح في استعادة مكانتها الدولية، كقوة عظمى، وتواجدها في الشرق الأوسط، فإن أميركا لاتزال لديها خطة رسمت ونشرت تفاصيلها، منذ عشر سنوات، ولم تكتمل بعد، وهي إعادة رسم حدود دول المنطقة.. ولا شك أن قدرتها على وضع خطتها موضع التنفيذ، سيجعل من سوريا بالنسبة لها، مثلاً يحتذى في بقية دول المنطقة.
إذا كنت قد بدأت مقالي بنموذج التكامل الإقليمي في آسيا، مقارناً بالسكون العربي سياسياً، والفراغ الاستراتيجي، الذي أفسح المجال لاقتحام الآخرين، ساحتنا الإقليمية، ليديروا في بعض بقاعها مصالحهم وأطماعهم، فإن ما جرى هناك من تطورات إيجابية، لم يكن مجرد قرارات فوقية، لكن بدايته كانت، دراسات كلفت بها عقول وخبرات، واعية بمعنى التكامل الإقليمي، والاستراتيجي.. ثم تضع الحلول لقيام منظومة التكامل تفصيلاً، وبعد ذلك تناقش وتدرس هذه المنظومة من جانب رئاسات الدول، وينتهي الأمر بإقرارها.
والعرب لديهم قوة وقدرات.. لكن يبقى أن توضع القوة والقدرات، في إطار برامج عمل، تمكنهم من أن يكونوا أصحاب الرأي والإرادة، فيما يخص شؤونهم، وليس تركها لقوى خارجية، تتصرف فيها حسبما يتراءى لها.
هنا– أتذكر ملاحظة سمعتها من مسؤول أميركي، حين طرحت عليه سؤالاً قلت فيه: أليس انحياز أميركا، لغير صالح العرب في قضايا الشرق الأوسط، يعتبر ضد مصالحها مع دول وشعوب المنطقة؟ وكانت إجابته لي قوله: وما الذي يدفع أي رئيس أميركي لتغيير هذه السياسة، طالما استمرت ما نسميها «حالة السكون العربي».. بمعنى أن العرب لن يأتي من ناحيتهم، تغيير يرغمنا على أن نغير نحن سياستنا؟.. وهذا هو قولهم.
بقلم : عاطف الغمري

عاطف الغمري