كتاب وأراء

سر.. ليس بسر

في القرن السابع عشر في فرنسا ظهرت جماعة من الادعياء رفعوا شعار التقوى والتدين ،ونصبوا أنفسهم كحراس للاخلاق والفضيلة ،واطلقوا على أنفسهم اسم(السر المقدس) واخذوا يتسللون كالافاعي داخل المجتمع ويثيرون الرعب والاضطراب فيه،فباسم المسيح كانوا يحللون ويحرمون،وباسم الفضيلة كانوا يتجسسون على الافراد والجماعات ويبتزونهم في مقابل كتمهم لاسرارهم،وباسم الاخلاق كانوا يكفرون من يعترض أو يحتج أو يقاوم ويفتكون به،واستطاعت هذه الجماعة في فترة قصيرة أن تنشر الخوف في قلوب الناس،وان تتدخل في حياتهم الشخصية وان تحصل على النفوذ والسلطة.الي جانب الثروة الطائلة،وكانوا على وعي بخطورة الفن والاعلام عليهم والذي كان مقصورا آنذاك على المسرح،الذي اعتبروه عدوا «للدين والآداب العامة» وأصدروا قرارا بالحرمان الديني على كل الممثلين والكتًاب،فمن يمتهن هذه المهنة سيحرم من الدفن بطريقة دينية شرعية،ولانهم هم الكنيسة فقد رفضوا كتابة عقود الزواج بين أبناء هذه المهن،وتسبب هذا القرار الجائر إلى لجوء هذه الفئة للزواج بعقود عرفية أشاعت القلق وعدم الاستقرار العائلي ،خاص بعد الانجاب وضياع حقوق الاطفال المولودين من زواج غير معترف به،وغير موثق ،وقد وصل تأثير هذه المنظمة المنظِمة إلى حد إصدار قانون رسمي يمنع الفنانين من العمل بأي وظيفة محترمة ،ومنع الموظفين الكبارفي الدولة خاصة القضاة من الذهاب إلى المسارح،ومع تزايد نفوذ هذا الجماعة التي قسمت المجتمع إلى قسمين،الاغلبية ضعيفة ومستباحة والاقلية قوية وغنية وتتحكم في الرقاب والعباد،وباتت تهدد كيان الملك والملكية ،أصدر الملك «لويس الثالث عشر» مرسوما يعترف فيه بالمسرح كفن من الفنون المحترمة،ويعترف بالفنان الذي يساهم في تغيير المجتمع،وكان هذا القرار ضربة قوية ضد هولاء الادعياء المتاجرين بالدين،لكنها لم تكن بالقوة الكافية لتقضي عليهم وتحد من نفوذهم،فالقرارات تظل حبرا على ورق أن لم تجد من يدعمها ويدافع عنها ويعمل على أقرارها، ورحل الملك وجاء ملك آخر وسطوة هذه الجماعة وأتباعهم وأذيالهم تزداد قوة وشراسة،حتى جاء «موليير» وكتب مسرحية فضحت ادعاءاتهم ونفاقهم وأضحكت الجماهير المستسلمة لسلطانهم ،ولم يسكت اعضاء السر المقدس امام هذا الهجوم الغير متوقع،بل شنوا حملة عنيفة دفعت الملك الملقب بالشمس إلى ايقاف عرض المسرحية جماهيريا والاكتفاء بعرضها في قصره أو بقراءتها امام الامراء والنخبة،ومع ذلك لم يكتفي الادعياء بهذا المنع وأصدر أكبر اعضائهم بيانا يتهم فيه المؤلف بأنه شيطان متجسد في ثوب فنان،ويجب ان يتم احراقه حيا،وأثار هذا البيان المحرض غضب الملك «لويس الرابع عشر» ولم يجد بدا من اصدار قرار غير مباشر يحفظ فيه هيبة الفنان الذي يسعده ويسعد الآخرين بفنه الغير مبتذل ،فرفع معاش «موليير» من ألف إلى ستة آلاف فرنك ذهبي سنويا ،وسمح له بأن يسمي فرقته المسرحية باسم فرقة الملك كنوع من الحماية،وان لم يجرؤ على السماح له بعرض المسرحية التي توقفت لمدة خمس سنوات حتى هدد الفنان باعتزال الفن ان لم يتم الافراج عنها..وأيقن الملك أن هذا القرار لو حدث سيكون انتصارا ساحقا للجماعة وهزيمة ساحقة للفن،وله هو شخصيا وسياسيا،شخصيا باعتباره راعيا للفنون والآداب ،وسياسيا لكونه ملكا عاجزا عن السيطرة على بضعة أفراد وان بلغ عددهم آلافا من شعبه،لذا رفع الحظر عن المسرحية وتدافع الناس في فرنسا وخارج فرنسا لمشاهدتها ،وكان ان استمر عرضها لمدة ثماني سنوات وكانت السبب في تكاتف الناس جميعا ضد الزيف والمنافقين والمتظاهرين بالتقوى،ودخلت مسرحية(طرطوف) التاريخ لانها كما قال مؤلفها هجاء ضد الرياء وليست هجاء بأي صور من الصور للتدين الصادق.
بقلم : وداد الكواري

وداد الكواري