كتاب وأراء

حين يعم الخراب الجميع

في الزمن الاستثنائي، مثل الزمن السوري الحالي، عادة ما تشكل النخب الثقافية والفكرية حاملا مهما لكل ما تعانيه العامة، وتعمل على إيجاد الصيغ والحلول واقتراح رؤى مشتركة للحل الفوري للإنقاذ، حتى لو لم تأت بأية نتيجة، وحتى لو أن القضية باتت أكبر بكثير من الاقتراحات، وحتى لو أن الوضع السوري تدول إلى حد أنه لم يبق للسوريين أي يد أو قرار به، ومع ذلك، وجود رؤية مشتركة وحلول مقترحة من قبل النخب الثقافية والفكرية السورية، ربما تنبه العالم، بحكامه، وبشعوبه، أن ثمة سوريين معنيين بما يحدث، وأن ما يقدمونه من حلول لإنقاذ بلدهم يجب أن يؤخذ بعين الاعتبار، بيد أن حالة المثقفين السوريين الذين أعلنوا منذ اللحظة الأولى انحيازهم للثورة السورية، قبل ما يقارب الستة أعوام، مخالفة لكل ذلك ومثيرة للعجب والاستغراب، فالمتابع للحالة السورية الثورية سوف يرى كمية من المهاترات المفتعلة بين المثقفين تدل على العمق الذي وصلت إليه حالة التأزم في المجتمع السوري، أخلاقيا ونفسيا وإنسانيا، فإن كان مفهوما، في ظل الافتراقات التي حصلت للثورة السورية، وتحولها إلى حرب مجنونة وعبثية، وفي ظل تفريغ المجتمع السوري قبل الثورة من أي فعل سياسي وفكري، وفي ظل التجهيل والإقصاء ونشر الفكر الغيبي لدى العامة، كي يبقى المجتمع السوري في حالة عطالة ذهنية وعقلية تمنعه من المحاكمة الصحيحة في الأزمات الكبرى، إن كان مفهوما ذلك كله لدى العامة السورية، التي وجدت نفسها أمام خيارات بالغة الصعوبة: إما العيش والقبول بما يفرضه نظام الإجرام السوري وبالتالي تحولها إلى جزء من الكتلة الصامتة التي يحسبها النظام عليه، أو الهروب بحثا عن الأمان من ثم الاصطدام بالعالم الجديد ومحاولات التأقلم بلا جدوى، وإما الاستمرار بالحياة تحت حماية الكتائب الجهادية والقبول بما تفرضه من نمط حياة أشد هولا من عصور الانحطاط، هذه الخيارات التي تجعل الخلافات بين عامة السوريين مفهومة وطبيعية ومبررة، فإنه من غير المفهوم ما يحدث مع النخب الثقافية والفكرية التي مازالت ترى في الثورة، كفكرة وواقع، الحل الوحيد لبناء سوريا جديدة.
إذ ليس فقط أن هذه النخب عجزت عن اقتراح رؤية مشتركة لإنقاذ سوريا، والتقدم بها إلى المجتمع الدولي بعيدا عن الهيئات والمؤسسات السياسية السورية المعارضة، وإنما تقدم أسوأ صورة عن حالة الثقافة السورية ونخبها في ظرف مثل الظرف السوري االحالي البالغ التعقيد والصعوبة، فإذا كان الخلاف في الرأي والنقاش والجدل هو حالة صحية بعد الصوت الواحد الذي صبغ السوريين خلال العقود الماضية، فإن ما يحدث بين المثقفين السوريين بسبب الخلاف في الرأي هو أسوأ بكثير من الصوت الواحد وأكثر إبرازا لحالة الإعاقة الفكرية لدى هذه النخب، فسلاح التخوين جاهز للإشهار لدى أي خلاف، أما عن الشتائم والتحقير والتعرض للتواريخ والحياة الخاصة، فيكفي إلقاء نظرة مسائية أو صباحية على صفحات الكثير من هذه النخب على مواقع التواصل الاجتماعي لاكتشاف عمق الخلل، والأدهى، حين يخرج هذا الخلل من الصفحات الزرقاء الخاصة إلى صفحات الجرائد المعروقة والعريقة، فتكون النتيجة المزيد من الخلاف والتحزبات من جهة السوريين، والمزيد من التجاهل للقضية السورية من قبل الآخرين الذين يقول لسان حالهم: إذا كان مثقفو القضية على هذا القدر من السوء فما لنا ومال هذه القضية؟!
بقلم : رشا عمران

رشا عمران