كتاب وأراء

الحريري وتشكيل الحكومة .. طريق طويل ووعر

يقول المثل الإيطالي: «أردت ركوب الدراجة فعليك الآن أن تدوس». هذا هو واقع حال سعد الحريري منذ تم تكليفه قبل أيام بتشكيل الحكومة الجديدة في لبنان، وهكذا أصبحت الكرة في ملعبه، وبات عليه على الأرجح أن يركض طويلا كي يصل إلى الهدف. لا شك أن ثمن العودة إلى السراي الحكومي كان القبول بالخصم وحليف «حزب الله» ميشال عون رئيسا للجمهورية، وهما اللذان تسببا بالفراغ في رئاسة الجمهورية على مدى سنتين ونصف السنة وعطلا المؤسسات وابتزا القوى الأخرى كي يفرضا عون في سدة الرئاسة.
إنه ثمن باهظ بلا شك، إن الحريري كان صاحب الأكثرية البرلمانية مع حلفائه في قوى 14 آذار (السابقة) منذ ما بعد اغتيال والده رفيق الحريري في 2005، من خلال فوز ذلك التحالف في انتخابات 2005 وثم في انتخابات 2009. وقد حصل أمس على أكثرية ساحقة (110 من أصل 127 نائبا في البرلمان) رشحته لرئاسة الحكومة فاقت الأصوات التي انتخبت عون للرئاسة (83 صوتا). وكان قد أصبح أول مرة رئيسا للحكومة عام 2009 بعد «اتفاق الدوحة» الذي تضمن في بنوده شرط عدم إسقاط الحكومة تحت أي ظرف، إلا أن فريق 8 آذار لجأ في يناير 2011 إلى إعلان استقالته من الحكومة من دارة عون بالذات في اللحظة التي كان الحريري يهم بدخول البيت الأبيض للاجتماع مع الرئيس باراك أوباما.
لقد تم إبعاد الحريري عن الحكم بطريقة مهينة، ما أضطره إلى مغادرة لبنان وبقي بعيدا في الخارج نحو خمس سنوات، وسبقها يومها إعلان رئيس الجمهورية الجديد عن أمنيته بأن يغادر الحريري بـ«بطاقة سفر بدون تذكرة عودة». حتى أن حسن نصرالله رفض يومها وساطة وزيري خارجية قطر وتركيا اللذين طالبا بعودة الحريري على رأس الحكومة، وها هو اليوم يضطر للقبول بمرشح «حزب الله» وزعيم «التيار الوطني الحر» رئيسا مقابل عودته إلى رئاسة الحكومة بعد أن سدت بوجهه كل السبل.
غير أن فريق التعطيل كان بحاجة إلى عودة الحريري إلى السراي كي يتمكن من إيصال عون إلى القصر الرئاسي، ولكي تستقيم «معادلة الأقوياء» كل في طائفته وفي موقعه في تركيبة السلطة في لبنان، بحسب النظرية التي روج لها طويلا عون وآزره فيها «حزب الله» الذي يشكل مع «حركة أمل» «الثنائية الشيعية» التي تهيمن على القرار داخل الطائفة الشيعية. وهكذا تصالح عون مع خصمه رئيس «القوات اللبنانية» سمير جعجع وشكلا هما أيضا «ثنائية مسيحية» وأصبح زعيم التيار العوني «الأقوى» والأكثر تمثيلا لدى المسيحيين ما يخوله لأن يصبح رئيسا للجمهورية، فيما نبيه بري أحد قطبي «الثنائية الشيعية» يجلس على كرسي رئاسة المجلس منذ ربع قرن بدون انقطاع. إلا أن الحريري هو ليس فقط الأقوى بل يحظى على الأكثرية الساحقة داخل الطائفة السنية، وليس من «ثنائية سنية» ترتجى، وبالتالي لا مفر من الحصول على دعم الحريري.
يجوز القول بالتالي إنه نوع من «تلاقي مصالح» ولكنه يعني فريق عون- نصرالله بجانب واحد فقط هو وصول عون إلى الرئاسة، وعلى الحريري بعدها أن «يقلع شوكه بيديه». فقد أعلن نصرالله أن قبول عودة الحريري إلى الحكومة هو «تضحية كبيرة جدا من قبلنا»، وكتلة نواب «حزب الله» لم ترشح الحريري لرئاسة الحكومة، وقد أوكل نصرالله إلى بري التفاوض باسمه مع الحريري في التشكيلة الوزارية التي يريدونها «حكومة وحدة وطنية» تضم الجميع بمن فيهم من لم يدعم ترشيح رئيس «تيار المستقبل» («حزب الله» وبعض الأحزاب الموالية للنظام السوري)، والمطالبة بحقائب أساسية كالمال والطاقة والأشغال والخارجية. وهذا يعني أن هكذا حكومة ستحمل بذور انفجارها في داخلها. أما إذا قيض للحريري أن يشكلها لأن عون يحتاج إلى زخم في الانطلاقة، فلن تتعدى فترة سماح بانتظار تطورات الخارج.
بقلم سعد كيوان

سعد كيوان