كتاب وأراء

المهاجر بين «طه» و«الطيب» و«الحكيم»

ينهمك الاوروبيون، خصوصا الذين استقبلوا أعدادا وافرة من المهاجرين، في تبيان واستكشاف أحوال هؤلاء الذين استقبلوهم: هل سينجحون في امتثال الثقافة الاوروبية؟ وهل سيكونون في أوضاع اقتصادية تضاهي تلك التي يرفل فيها الاوروبيون؟ هل سيذوب هذا القليل المهاجر في وعاء حضاري أوروبي هو الاقوى والأوسع والأكثر جاذبية؟
من حق الأوروبيين ان يقلقوا، وان يبحثوا ويراقبوا، حتى يقننوا اوضاعهم على ضوء النتائج ومعطيات الهجرة اليهم.
وفي دراسة للاتحاد الاوروبي تبين ان المهاجرين أكثر تفوقاً من المواطنين الأصليين، إذ أكدت الدراسة أن المهاجرين من الجيل الثاني في دول الاتحاد الأوروبي هم الأكثر حصولاً على شهادات جامعية، مُقارنةً بالمواطنين المحليين، وهو ما يعد صفعة للتيارات اليمينية المتطرفة، التي تطالب بطرد المهاجرين، أو على الاقل وقف دخولهم، لان «ثقافاتهم الاصلية لن تذوب في الثقافة الاوروبية، بل سيظلون جسما غريبا ودخيلا على ثقافات مهاجرهم، وسوف تؤسس هذه الشراذم من المهاجرين موئلا للفقر والتخلف، وربما الإرهاب».
نحن في مصر مثلا مررنا بتجربة تشبه ذلك، حينما هاجر كثير من الريفيين هجرة مشابهة، لا إلى الخارج، ولكن إلى الداخل، حينما سعوا لترك قراهم، والتوجه إلى العاصمة، التي كانت مركزا اقتصاديا وصناعيا متناميا، ولهذا تفلطحت القاهرة، واصبحت سكانيا بحجم دولة، وترامت اطرافها على نحو مريض، ونشأت من حولها الاحياء العشوائية التي صارت مقرا للجهل والفقر والبطالة وارتفاع معدلات الجريمة، وكانت نتيجة كل ذلك ان تريفت العاصمة، وتحضر الريف بعد ان ترك فلاحون العمل بحقولهم، تحت وهم العمل في مصانع، فقدت شبابها تدريجيا، وأحيلت حاليا إلى التقاعد، واصبحت ماكيناتها وآلياتها خارج الزمن.
وليس الأوروبيون وحدهم الذين يضيق بعضهم ذرعا بالمهاجرين العرب إليهم، ولكن بعضنا ايضا يضيق ببني جلدته القادمين إلى مدينته مهاجرين، فقد قرأت انه في العام 1964 تقدم زكريا محيي الدين، وكان رئيسا للوزراء حينها، بمشروع طرد الصعايدة ومنع دخولهم القاهرة، وعرض هذا المشروع على الرئيس الراحل جمال عبدالناصر، زاعمًا أن القرار سيقضي على ما أسماه وقتها بالعشوائية والزحام، فانزعج «عبدالناصر» من المشروع، ورد عليه بغضب قائلًا: أطلب منك أن ترحلني أنا أيضًا باعتباري صعيديًا قادمًا من قرية بني مر، محافظة أسيوط، وأغلق الملف. ولم تمر إلا أشهر قليلة حتى قرر «عبدالناصر» حينذاك تغيير الوزارة.
الروائي السوداني الراحل الطيب صالح، صاحب رائعة «موسم الهجرة إلى الشمال» رصد في هذه الرواية جدليات وآثار الهجرة على لسان بطلها مصطفى سعيد، الطالب العربي الذي هاجر إلى الغرب وتزوج من بريطانية وعمل كمحاضر في إحدى الجامعات البريطانية ويتبنى قيم المجتمع البريطاني. غير أن زوجته البريطانية ترفض قبول املاءاته لان مصطفى لم «يتغربن» كليا، بل ظل السوداني أو الافريقي بداخله يرسم لعواطفه خطاها وخياراتها
ومن قبل الطيب صالح كتب توفيق الحكيم رائعته «عصفور من الشرق» ليرصد من خلالها عواطف رقراقة لمهاجر عربي مبتعث احب اوروبية، كما عاش ايضا التجربة بحذافيرها طه حسين الذي تزوج من فرنسية بالفعل، فالمهاجرون العرب ينجحون في النهل العلمي، كما ينجحون ايضا في طرق ابواب القلوب التي تنفتح على مصراعيها أمام عواطفهم الدفاقة والصادقة.

بقلم : حبشي رشدي

حبشي رشدي