كتاب وأراء

السياسة الخارجية لدى المذيعين والمذيعات

من أوليات أي مقرر في العلاقات الدولية درس عن الفاعلين الدوليين، وهم كل من يتدخل في صنع السياسات الخارجية ويؤثر في التفاعلات والتوازنات بين الدول، من ذلك الحكومات والمنظمات الدولية والإقليمية، والشركات العملاقة، ومنظمات حقوق الإنسان، والجماعات الدينية المتشددة، والقوميات، والأقليات. ومن بينها أيضاً يبرز دور بعض الأفراد.
إذ يكفي إنسان واحد إما متهور أو مبدع أو مبادر ليغير شكل العلاقات الدولية أو يثير أزمة أو يحل مشكلة. غاندي مثلاً لم يكن مسؤولاً حكومياً لكن تأثيره كان كبيراً على مصير الإمبراطورية البريطانية. والأم تريزا والقس ديزموند توتو وبيل غيتس مؤسس مايكروسوفت والبليونير جورج سوروس ومحمد يونس صاحب مشروع بنوك الفقراء كان لهم تأثير كأفراد على مسار العلاقات الدولية بصرف النظر عن نوع هذا التأثير.
ومن بين أفراد تتزايد بصمتهم على العلاقات الدولية برز دور بعض المذيعين والمذيعات كلاعبين يؤثرون على العلاقات بين دول ويدافعون عن أطراف ضد أطراف ويتسببون في مشكلات. ولا مجال بطبيعة الحال للتعميم. فليس كل المذيعين والمذيعات لاعبين دوليين. بعضهم فقط. لكنه بعض لا يمكن غض الطرف عنه وعن سلوكياته وتأثيراته في منطقة كمنطقتنا يُعرف عن أهلها أنهم ظاهرة صوتية. وهؤلاء المذيعون ليسوا إلا أعلى درجات لتلك الظاهرة الصوتية.
يطلون على الشاشات إما ليتصرفوا بالوكالة عن سياسيين أو ليروجوا مواقف المؤسسات الإعلامية التي تحتضنهم والدول التي تصرف عليهم أو يملكون، في بعض الحالات، أجندات خاصة يدعمون بها طائفة أو يؤيدون من خلالها جماعة أو يبررون لحكومة. ولم ينشأ الدور الدولي للمذيعين والمذيعات في فراغ وإنما ولد في قلب تلك المساحة الهائلة التي بات الإعلام يتمتع بها على الصعيدين المحلي والعالمي وانتشار القنوات الفضائية التي سمحت لكثيرين بأن يستغلوا مواقعهم الإعلامية ليقدموا تصوراتهم عن السياسات الخارجية والدولية.
ومع أن مذيعي البرامج الحوارية السياسية منها بشكل خاص يحتاجون لأن يكونوا كالماء بلا لون أو طعم أو رائحة لكي يحافظوا على قيمتهم إلا أن حملة أجندات السياسة الخارجية منهم لا يبدو أنهم يعرفون خواص الماء. فالماء يكتسب منفعته من حياديته. أما المذيع الملون صاحب مشروع السياسة الخارجية فيخسر مهما كسب. لكن هناك مذيعون ومذيعات لا يبالون. لديهم مواقف خاصة من دول وأزمات وقيادات وجماعات أشبه بسياسات خارجية يتبنونها بلا مواربة إما لقناعة لديهم أو تعاطفاً مع جماعة أو تيار يؤمنون به. لكن النتائج عادةً ما تكون سيئة. والدلائل كثيرة. فلولا المذيعون والمذيعات أصحاب السياسات الخارجية لما اشتبكت مجتمعات عربية عبر وسائل التواصل الاجتماعي في جولات من اللعن والردح. ولولا هؤلاء المذيعين والمذيعات لما كانت قنواتهم قد حجبت في بلدان أو منعت طواقمها من العمل في أخرى. ولولا هؤلاء أيضاً لما رفض مسؤولون مقابلة ممثلي القنوات التي يعملون بها. أن يكون الرجل مذيعاً مشهوراً والمرأة مذيعة معروفة فأمر رائع ينبغي أن يعتز به صاحبه. لكن أن تكون من وراء الطلة الإعلامية الواسعة مآرب أخرى تتجاوز وظيفة الإعلام إلى العمل السياسي فأمر يعقد أكثر مما يبسط. ولا يعني ذلك ألا يكون لمذيعي البرامج الإخبارية والحوارية السياسية على وجه التحديد رأي فيما يقدمونه أو يستضيفون الناس من أجله، لكن أن يكون لهم مشروع سياسي ينشرونه ويبشرون به ويفرضونه ويدافعون عنه ويهاجمون الآخرين بسببه ويورطون دولاً ضد دول ويهينون أفراداً وينددون بقوى ويشيدون بأخرى فأمور تكشف عن كم أصبحت صناعة السياسة الخارجية تتأثر بأدوار لاعبين كثيراً من الناس لا يراقبونهم مع أن أدوارهم باتت تستحق المتابعة عن كثب.
في أدبيات السياسات الخارجية هناك أدوار مختلفة يؤديها الفاعلون الدوليون من بينها على سبيل المثال لا الحصر دور المستقل النشط، والتابع المحمي، والحليف المخلص، والمدافع عن العقيدة، والجسر الدولي الذي يمرر الرسائل. وشيء من هذا نراه الآن على الشاشات من بعض مذيعين ومذيعات بما ينبه إلى أن العمل الإعلامي كما يمارسه بعض العاملين في هذا القطاع يتجاوز أصول مهنة الإعلام بل وأحياناً ما ينتهكها بالكلية لينجرف إلى جدليات السياسة بكل ما يمكن أن يفضي إليه ذلك من عواقب.
بقلم : د. إبراهيم عرفات

د. إبراهيم عرفات