كتاب وأراء

إفريقيا .. محاكمة الجنائية الدولية!

«1»
الصواريخ الإسرائيلية تنهال على غزة الفلسطينية، تصيب المدنيين، ولا تستثني المستشفيات والمدارس والمنازل المسالمة ولا حتى الطير في الأشجار، القتلى بالمئات والمصابون بالآلاف، والفجيعة تصيب الملايين على امتداد العالم الذين يشاهدون كل ذلك الرعب على الهواء.
كان ذلك في الأمس القريب، واليوم الطيران الروسي يُحِيل مدينة حلب السورية الجميلة إلى مدينة أشباح تنعق على أطلالها طيور الشؤم.
قتلى ومصابون ونازحون ومبانٍ مسواة على الأرض وعنف بلا حدود، وردود أفعال دولية خجولة، تقف على باب العتاب العاجز ولا تجرؤ على الإدانة الجهيرة، دعك من الفعل الرادع.
وفي العراق، قوات الحشد الشيعية تقتل وتذبح تحت غطاء الطيران الأميركي والأوروبي، تعيد ذكرى ذلك الغزو الذي انطلق في 2003 من منصة أكذوبة ساذجة شيَّدتها المخابرات الأميركية، عن وجود سلاح نووي في يد الرئيس صدام حسين.
كل ذلك العنف المنقول على شاشات الفضائيات والمُوَثَّق بالصور والأرقام، لم تلتفت إليه المحكمة الجنائية الدولية بلاهاي، كأنها جاءت فقط لمتابعة ما يحدث في إفريقيا السوداء وابتزاز رؤسائها.
«2»
الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون، لم يكن يملك الشجاعة للتعبير عن أكثر من الأسف، وهو يعلِّق في آخر جلساته بمجلس الأمن على انسحاب ثلاث دول إفريقية (جنوب إفريقيا وبوروندي وغامبيا) من عضوية المحكمة الجنائية الدولية، احتجاجاً على انتقائيتها وتحيّزها ذي النزوع العنصري والذي يُمَايز (دماً ودماً وضحايا وضحايا)!
العاصمتان (بريتوريا وبوجومبورا)، لما تخفيا مبررات اتخاذ الخطوة التي تُعد صفعةً مذلةً على وجه المحكمة الجنائية.
حيث نقلت تقارير إعلامية عن وزيرة العدل البورندية إيميه لورنتين كانيانا، لدى مخاطبتها البرلمان، بأن دوافع قرار الانسحاب من الجنائية الدولية. يتلخص في ملاحظة بلادها أن المحكمة باتت وسيلة ضغط وابتزاز وعدم استقرار في البلدان النامية، وإنه لا يخفى على أحد أن فتح تحقيق بحق بعض القياديين يتم تحت ضغط القوى الغربية.
«3»
خلال عشر سنوات، ثبت بالوقائع والحيثيَّات والمُقارنات، أنها محكمة مُسيَّسة، تفتقد للنزاهة والاستقامة الأخلاقية، وتعتمد على معايير مزدوجة، ومُلوَّثة بالغرض وجراثيم الكيد؛ إذ تُغمض عيناً عن دولٍ وحكومات وتفتح الأخرى بوقاحة على آخرين!
وقبل أشهر، أفادت صحيفة بريطانية بأن رئيسة المحكمة الجنائية الدولية تواجه مطالبات بالاستقالة من منصبها بعدما تبين أنها ربما تكون قد تلقَّت رشوة بملايين الدولارات من أجل أن توجّه اتهامات للرئيس السوداني عمر البشير بارتكاب جرائم في إقليم دارفور.
«4»
في تجربة المحكمة الجنائية مع السودان، ممثلة في ملاحقة الرئيس عمر البشير، فقد تحققت نبوءة يان برونك، المبعوث السابق بالسودان للأمم المتحدة، حين أدرك ما ستُفضي إليه مذكرة الجنائية ضد الرئيس البشير في المآلات الأخيرة.
فقد قال لصحيفة «التلغراف» الهولندية: (لن تتم محاكمة الرئيس السوداني في لاهاي، لكونه يعيش آمناً في وطنه.. وهو قليل السفر للخارج، وحتى إذا قرر الرئيس السفر لدولة إفريقية فلا خوف عليه.. فكل دول الاتحاد الإفريقي تقف من خلفه. كما أن صدور أمر القبض في حق الرئيس السوداني قوَّى من موقفه داخليّاً وإفريقيّاً).
نعم.. برونك له معرفة واسعة ودقيقة بالسودان، ويعرف كيف تتشكل قناعات الجماهير في تلك البلاد، التي عمل بها لأكثر من عامين.
وانتقد برونك في ذلك الحوار لويس مورينو أوكامبو المدعي السابق بالمحكمة، الذي بدلاً من أن يجعل من المحكمة الجنائية أداة من أدوات العدالة، حوَّلها لسلاحٍ صدئ من أسلحة الصراع السياسي والشخصي كذلك.

بقلم : ضياء الدين بلال

ضياء الدين بلال