كتاب وأراء

الوظيفة: إطلاق الأحكام


سمة التسرع في الحكم على الناس اصبح عادة يعتاش منها حياتيا ولدى البعض رغبة لا يملك سواها من الرغبات، لذلك انا اطرح من خلال مقالي هذا الوظيفة للبعض حولنا حيث يقتضي عملهم ان يطلقوا الاحكام جزافا على من حولهم فقط لان شكل الآخر لم يعجبه أو قناعات فلان لم تتناسب معه أو لانه يكره نجاح وتفوق فلان أو ربما لانه يجد في احدهم شخصا من الافضل لو لم يخلقه الله أصلا - استغفر الله - فكل منا قد يصادف في حياته أشخاصاً لديهم مفاهيم ومعلومات خاطئة عن الآخرين، وقفت حائلاً دون اندماجهم مع البعض أو تقبل الآخر والسبب هو الأحكام المسبقة التي نطلقها على الآخرين من النظرة الأولى فهذا إنسان مغرور وذاك متكبر ومن الواضح من هيئة ذلك الشخص انه مشاكس ويحب المشكلات ويبدو من ملامح تلك أنها أنانية، فهل يعد كافياً معرفة معادن الناس وأخلاقها من مجرد النظر إليهم من دون محادثتهم ومبادلتهم بالأفكار؟ وعلى أي أساس نحب أو نكره الأشخاص الذين نلتقيهم من اللقاء الأول أو النظرة الأولى؟ وهل هذه النظرة تكون دائما صائبة؟، وما الأمور التي تحدد حكمنا على الأشخاص بالارتياح أو النفور والسؤال الذي يطرح نفسه: من نحن لنطلق الاحكام ونصنف انفسنا قضاة على الآخرين.. حقا من نحن؟؟ فمن يراقب حياتنا وحراكنا الفردي والاجتماعي يجد أننا مكثرون جداً - وإلى حد الإغراق- في إطلاق الأحكام على الأشياء والأشخاص بحق وبلا حق وبطلب ومن غير طلب ويبدو أنه قد تشكلت لدينا ملَكَة الحكم بطريقة انسيابية عجيبة والسؤال: هل هذه الحال التي نحن فيها ضرورة في الإنسان ونافعة له؟ وهل الحكم على الأشياء والأشخاص ضرورة للوعي والنجاح والقرارات الصائبة؟ قد تكون هناك أجوبة ثقافية أو إدارية أو تربوية تقول: نعم، وأن الحكم من متطلبات الحياة وحركة الإنسان لكنَّ وعياً عميقاً يفك شيفرتي الإنسان والحياة، ومن خلال تجربة روحية ينطلق فيها الإنسان من أسرار الجمال والسلام في داخله يرى فيها الوجود جميلاً، من غير أحكام أو اتخاذ موقف مع أو ضد ليتحول الإنسان من القبض إلى البسط ومن الضيق إلى السعة، إذاً هذه طبيعة تكوين الوجود الذي جاءت الطبيعة الإنسانية والشرائع والأديان بمراعاته فالأصل في الأشياء الإباحة ولا يجوز السؤال الذي يسبب التحول العكسي من السعة إلى الضيق.
إن من أخطر ما يواجه مصير الإنسان في حياته هو ربط قوانين الفهم وقوانين العقل والتفكير بل وربط الحركة النفسية من الرضا والسخط والقبول والرفض بما نصدره من أحكام مع أو ضد الغير أو ما يصدره الآخرون معنا أو ضدنا حيث يتحول الإنسان من كونه فاعلاً من الداخل إلى الخارج إلى كونه منفعلاً من الخارج نحو الداخل ولذلك فنحن كثيراً ما نفقد السعادة والسلام والإلفة والمحبة مع الأشخاص والأسباب أو نتحول إلى صناعة الأعداء من خلال طريقة التفكير هذه وفي المقابل يفوتنا من الذكاءات الشيء الأهم فيضعف لدينا الذكاء الروحي والذكاء الاجتماعي الذين هما مصدر الأمان للذكاء التفكيري.
حقيقةً الغالبية لا يمكنها التخلص من الاحكام المسبقة على الناس ونمط حياتهم فهم يظنون بانهم الأدرى وبأنهم يعرفون خفايا الأمور وبالتالي يطلقون الأحكام جزافاً رغم أنها قد تستند على أمور سخيفة كالشكل أو طريقة الحديث وتبقى الأحكام المسبقة مؤذية للطرفين لمن يطلقها ولمن تُطلق عليه، الشخص الذي يطلقها قد يتخذ قرارات خاطئة استناداً إلى أحكام غير واقعية والشخص الذي تُطلق عليه سيجد نفسه مع سمعة لا علاقة لة بها بل قائمة على معلومات مغلوطة، ويتخذ بعض الناس من الأحكام المسبقة على الأشخاص هواية مفضلة فيصنفونهم كما يرون ويضعونهم في أُطر جاهزة يبالغون في انتقادهم أو يصوغون انطباعات سيئة عن شخصياتهم، والعجيب أن كثيرا من هؤلاء لا يتمتعون بسعة أفق ولا برأي سديد أو مرجعية ثقافية ولا بسلوك رشيد يؤهلهم حتى للحكم السليم على أنفسهم فمن يفتقد الحكمة يُطلق الأحكام الجزافية باتخاذ موقف غير متزن أو قول كلمة غير مسؤولة أو تصرف أرعن ويعامل غيره على أساس أنه - متحرر أومتزمت أوجاهل أو مخالف.... - استنادا إلى انطباع متسرع ونظرة سطحية قاصرة، الا يعلم هؤلاء إن إطلاق الأحكام المجحفة بحق الناس من غير تثبت هو سوء ظن بهم وتعبير عن فكر قاصر وسد لعجز سلوكي وشعور بنشوة كاذبة تعيشها هذه الفئة الخاوية من الداخل. إن هناك حاجة ملحة تدعونا إلى التروي في الحكم على ما يقابلنا أحياناً من تصرفات بعض الناس غير المألوفة أو المتوقعة منهم سواء كانت من كبار أو صغار فمن المعلوم أن ظروف حياة الناس ليست واحدة وقد تمر بنا - نحن البشر - مواقف نبدو فيها على غير ما نحن عليه في الحقيقة أو ما عهدنا عليه الآخرون فنوصف بالغباء حيناً ومرات بالكسل وعدم المبالاة وبالحماقة أحياناً وبالبخل أحياناً أخرى نتيجة فعلنا أو ردة فعلنا، وقد سمعت قصصا كثيرة تتحدث عن اطلاق الاحكام بهذه الطريقة. اخيرا ان لم يعجبك احدهم تذكر فقط انه ليس بالضرورة ان تكون انت شخصيا محط اعجاب الكل ولم يُخلق الآخرون لينالوا اعجابك فقط والقاعدة الاهم انه لا يصلح للإنسان أن يُنصّب نفسه حكماً على الناس وينسى نفسه بل على الإنسان أن ينظر إلى عيوب نفسه أولاً قبل أن ينظر إلى عيوب غيره وكلمة للعاملين في هذه الوظيفة - اعانكم الله على ما ابتُليتم به - ودمتم قراء سطوري بخير.
بقلم : ابتسام الحبيل

ابتسام الحبيل