كتاب وأراء

قضـيــة «بائع السمك» .. وتداعياتها السياسية

تراجعت موجة الاحتجاجات في المدن المغربية بسبب مقتل بائع سمك يدعى محسن فكري داخل شاحنة لنقل النفايات في مدينة الحسيمة شمال البلاد، بيد أن موجة الغضب التي عمت البلاد انعكست سلباً على «حكومة» ما تزال لم تتشكل بعد، حيث يحاول عبدالإله بن كيران الأمين العام لحزب العدالة والتنمية جاهداً بناء تحالف صعب بين أربعة أحزاب.
لعل اللافت أن بن كيران كان قد اتخذ موقفاً مناوئاً لمظاهرات «الربيع العربي» عندما امتدت إلى المغرب، وكانت من تداعياتها إقرار دستور جديد، وإجراء انتخابات حصل فيها الإسلاميون (حزب العدالة والتنمية) على المرتبة الأولى، وشكلوا حكومتهم الأولى في يناير عام 2012.
عندما بدأت حادثة بائع السمك تتفاعل اتخذ بن كيران الموقف نفسه، وطلب من أعضاء حزبه عدم المشاركة في مسيرات ومظاهرات اجتاحت عدداً من المدن المغربية.
على الرغم من أن بن كيران لم يتطرق صراحة إلى التداعيات السياسية لما حدث في مدينة الحسيمة، فإنه ألمح إلى أن هناك جهات تريد استغلال الحادثة، لذلك طلب من أعضاء الحزب «عدم المشاركة في عمل (مظاهرات) لا نعرف في أي اتجاه يسير» على حد تعبيره.
عندما انتشر خبر مقتل بائع السمك تدفقت تفاصيل كثيرة حول الموضوع، ووجهت اتهامات صريحة إلى الشرطة والسلطات المحلية بأنها تورطت في الحادث، وهو ما دفع العاهل المغربي الملك محمد السادس أن يتدخل شخصياً في القضية، ويطلب بصرامة إجراء تحقيق أمني وقضائي حول الحادث، وهو الأمر الذي عجل بنشر بيان قضائي غير مسبوق تزامناً مع اعتقالات طالت ثمانية أشخاص بينهم مسؤولون محليون تقرر متابعتهم قضائياً.
كانت قضية بائع السمك قد بدأت مثل كرة لهب متدحرجة، عندما نشرت الشبكات الاجتماعية مقطع فيديو يبين البائع داخل شاحنة نفايات وهو يتعرض للطحن (السحق) حتى الموت.
نشرت روايات تقول إن البائع عندما حاول استعادة كمية السمك التي صودرت منه ورميت في شاحنة النفايات لإتلافها صدر أمر من طرف رجل أمن «بسحقه»، بيد أن البيان القضائي سيفند هذه الرواية، حيث تبين أن فكري مع اثنين آخرين صعدوا إلى الشاحنة لمنع إتلاف السمك، بيد أن خطأ غير متعمد أدى إلى تشغيل آلة ضغط النفايات، ولم يتلق سائق الشاحنة تعليمات من أي جهة لتشغيل الآلة، واستطاع اثنان القفز من الشاحنة عندما جرى تشغيل الآلة، في حين أخفق القتيل وضغطت عليه الآلة، مما أدى إلى نزيف داخل تسبب في وفاته.
على الرغم من التوضيحات القضائية فإن تأليب أحزاب المعارضة والجمعيات الحقوقية للشارع ضد الحكومة قد ذهب بعيداً، وهو ما خلق أجواء معارضة، وفي أحسن الأحوال غير مواتية، حتى قبل أن تتشكل الحكومة.
تشير التكهنات الآن إلى أن بن كيران سيجد نفسه وحكومته المقبلة في مواجهة غليان الشارع ضد تجاوزات السلطات المحلية والأجهزة الأمنية في عدد من المدن، وهو ما سيتطلب منه إطلاق مبادرات كثيرة، وربما صعبة لامتصاص هذا الغليان. بيد أن ذلك سيصطدم بمعضلة أخرى، وهي التركيبة المرتقبة للحكومة نفسها.
التوقعات تشير إلى أن بن كيران سيقود إئتلافاً حكومياً يتكون من أربعة أحزاب هي العدالة والتنمية والاستقلال (معارض محافظ) والتقدم والاشتراكية (يساري) في حين لم يحسم في الحزب الرابع.
تجرى الآن اتصالات مع حزبين شاركا في الحكومة السابقة هما التجمع الوطني للأحرار والحركة الشعبية، إضافة إلى الاتحاد الاشتراكي المعارض.
هذا الإئتلاف المتنافر لن يقبل بمبادرة تؤدى إلى مزيد من التآكل لشعبية الأحزاب التي ستدخل الحكومة، وهذا بالضبط ما سيجعل حزب «الأصالة والمعاصرة» (يحتل المرتبة الثانية في البرلمان) الذي هو في الأصل حزب موالاة تشكل لمواجهة «الإسلاميين»، يسعى إلى تأليب الشارع ضد ائتلاف حكومي يوجد حالياً في حالة مخاض، وأن يحول قضية مقتل بائع السمك إلى قضية سياسية لا يهدأ زخمها.

بقلم : طلحة جبريل

طلحة جبريل