كتاب وأراء

عربيا.. لماذا يتراجع تأثير الأحزاب؟

في منطقتنا العربية تغيب الأحزاب تدريجيا عن التأثير في مسار الأحداث، بينما تتزايد فرص التأثير لأدوات أخرى مثل وسائل التواصل الاجتماعي والإعلام والجماعات المستقلة والحركات الاجتماعية. والمفارقة أنه بينما كان من المفترض تزايد تأثير الأحزاب بعد اندلاع موجات التغيير قبل خمس سنوات مضت بحكم ما حملته هذه الموجات من شعارات، حدث العكس تماما من حيث الإقبال المطرد من الجماهير على هذه البدائل الأخرى والانصراف عن الأحزاب.
لماذا إذن حدث الإحباط مجددا من التجارب الحزبية بعد أن كانت كل المؤشرات وقت اندلاع موجات التغيير تروج لإقامة حياة حزبية سياسية سليمة في بلدان التغيير، وإلى أي حد يؤثر ذلك في مسار التحول الديمقراطي فيها سلبا أو إيجابا؟.الإجابة تتضمن أسبابا عديدة.
أولها الانفصال بين بناء المؤسسات وفي مقدمتها الأحزاب وبين الواقع أو الممارسة. فلا شك أن بناء المؤسسات ضرورة من ضرورات الحكم الرشيد والديمقراطي، ولكن لا جدوى من ذلك إن كان خطاب المؤسسات أي ما يطرحه من رؤى للإصلاح ووسائل تحقيقها منفصلا عن الواقع حيث التحديات ضخمة ومتنوعة. هنا يتعين أن تكون رؤية الأحزاب شاملة لا انتقائية أو جزئية وهو ما لم يحدث من الأحزاب التي جاءت بها رياح التغيير، والدليل هو الفشل الحكومى أو الإداري الذي أصاب السلطات الجديدة.
وثانيها أن مراحل الانتقال دائما ما تكون عرضة للفشل أكثر ما تكون مبشرة بالنجاح، لأنها تعطى فرصة لكل من يعتقد في نفسه أنه صاحب حق في إحداث التغيير ولا تستطيع أن تمنعه ومن ثم يتواجد الصالح بجانب الطالح. ويضاف لذلك أن مراحل الانتقال تتطلب صبرا على النتائج لا استعجالها، والأجيال الشابة دائما ما تستعجل النتائج.
وثالثها هشاشة البنية الداخلية للأحزاب. كانت هشة في الماضي وأصبحت أكثر هشاشة في الحاضر. ومن شواهدها كثرة الانشقاقات الحزبية، ومن الأمثلة على ذلك ما حدث لحزب نداء تونس وما حدث لحزبي الوفد والدستور في مصر. هذا فضلا عن الشخصنة التي أصبحت داءً في الممارسة السياسية بوجه عام، بمعنى تفضيل المصلحة الشخصية على المصلحة العامة. كما أصبح المال السياسي هو المحرك للأحزاب يمينا أو يسارا. ويرتبط بهشاشة البنية الداخلية افتقاد الأحزاب لما يسمى بالديمقراطية الداخلية أي انتهاك الأحزاب ذاتها لقواعد الممارسة الديمقراطية بين صفوفها.
ورابعها أن البدائل الأخرى للأحزاب أصبحت أكثر شيوعا ويسرا وأسرع تأثيرا. فقد مكنت وسائل التواصل الاجتماعي الشباب من التعبير عن مطالبهم بشكل مستقل لا يخضعون فيه لأطر تنظيمية كالأحزاب. لم يعودا يحتاجون لها وهي التي تفرض عليهم إجراءات إدارية معينة وتحملهم أموالا وتطلب منهم التحرك والكلام بوضوح محدد لا يجب الخروج عنه. وبالطبع لهذه الوسائل سيئاتها التي تصل إلى حد الكوارث الوطنية، ولكن بالمقابل أصبحت أدوات سهلة وبين أصابع الشباب تجعلهم يحققون ما يريدون بشكل أسرع وأكثر تأثيرا من الانخراط في الأحزاب. كما دخل الإعلام طرفا في أدوات التغيير. ومع أن مهمته هي الإخبار والتوعية والتنوير والترفيه، إلا أنه في ظل غياب الضوابط على الممارسة الإعلامية أصبح معظم الإعلاميين قادة سياسيين مؤثرين. وقد حدث تزاوج بين الإعلاميين ووسائل التواصل الاجتماعي حيث أصبح كل منهما يعتمد في انتشاره على الآخر. وآخر هذه البدائل انتشار الحركات السياسية والاجتماعية، وهي شكل من أشكال الممارسة السياسية التي تنشط بشدة في مراحل التغيير وعدم الاستقرار، ليست بالضرورة منظمة، ولكنها تعتمد على الرمزية والأيديولوجيات البسيطة الجذابة، تنشأ تلقائيا ولها هدف أساسي هو إحداث التغيير.
التراجع المطرد في تأثير الأحزاب والصعود السريع للبدائل الأخرى وتأثيرها القوى هو جانب من المشهد المضطرب الذي تعيشه بلدان التغيير، وإن دل على شيء فإنما يدل على أن عدم الاستقرار سيظل ممتدا، وأن التحول الديمقراطي بعيد المنال.

بقلم : عبدالعاطي محمد

عبدالعاطي محمد