كتاب وأراء

علموهم الادب

في مسرحية «السحاب» سخر الاديب اليوناني «ارستوفان» من مواطنه الذي لا يقل عنه أهمية وشهرة «سقراط» وبسبب هذه المسرحية سجن الاخير بتهمة إفساد الشباب وتعليمهم الجدل العقيم وتحريضهم على آبائهم، وحكم عليه بتجرع السم، وتتحدث هذه المسرحية عن رجل عجوز يعيش في قلق دائم بسبب كثرة ديونه، وبدلا من ان يفكر في طريقة يسدد بها هذه الديون أو جزءا منها على الاقل يلجأ إلى الفيسلوف والمعلم «سقراط» ليتعلم منه كيف يتخلص من هذه الديون بالحجة والمنطق، وبعد فترة يأس من تعلم شيء، فالفلسفة ليست علما هينا يمكن تعلمه بيسر وسهولة، وهو اكبر من أن يتعلم، يعود إلى منزله ويقنع ابنه الصغير بأن يحل محله، فهو ما زال في مقتبل العمر وعقله متفتح للحفظ والفهم، وبهذا العلم والفهم سوف يتخلصان من الدائنين دون ان يدفعا شيئا مما يتوجب دفعه، ينفذ الابن طلب والده ويذهب، وهناك يتعلم بالبراهين والحجج أن يثبت انه على حق حتى لو يكن كذلك، وان يقلب الحق إلى باطل، والباطل إلى حق، ثم يعود إلى بيته ويضرب والده ضربا مبرحا، وحين يسأله الاب المتوجع والجيران عن السبب الذي دفعه لهذا التصرف اللا أخلاقي، يبرهن لهم بالحجة القوية التي تعلمها بناء على رغبة أبيه، أنه فعل ذلك لكي يؤدب الاب ويربيه، فهذا العقاب سيمنعه من أن يستدين مرة أخرى.. وبعيدا عن التهمة الظالمة التي وجهت لفيسلوف عظيم، فان هذه المسرحية التي تسببت في هلاكه واضحكت الآلاف من المتفرجين قديما وحديثا تقول شيئا مهما يعرفه الجميع تقريبا ويتجاهلونه في نفس الوقت، عندما تشجع ابنك أو ابنتك على الكذب فلا تندهش حين يطبق درسه الثاني عليك مرة ومرات، وحين تتغاضى عن أخطائه في حق الآخرين فتوقع ان دورك آت عن قريب، وربما أقرب مما تتصور، إن اطفال اليوم يعانون بسبب عدم اهتمام أحد لما يقولون أو يفعلون، فكل شيء أصبح مسموحا به، على سبيل المثال، تجلس الام الشابة معنا أو بالقرب منا في «الصالون» أو في غرفة الانتظار في المستشفى أو قاعة المطار.. تتصفح بتكاسل مجلة أو تعبث في جهازها الخلوي بينما صغارها يعيثون فسادا.. ويهينون الغرباء ويرمون بقايا الطعام أينما اتفق، وهي مستغرقة فيما تفعله أيا كان دون ان يرف لها رمشّ! لقد طلبت ذات مرة من إحدى الامهات بأكبر قدر من اللطف ان تزجر طفلها الذي كان يقفز من مقعد لآخر فوق رؤوسنا، ويبصق في الصحون والاكواب وهو يضحك ويضرب الكبار والصغار بلا تمييز، وكان ردها عجيبا، قالت انها ملمة بعلم النفس ومبادئ التربية الحديثة والتي لا تشجع على احراج الاطفال امام الناس حتى لا يصابون بعقدة ما.. قلت لها بلا تفكير: «ولكنك تحرجين نفسك يا سيدتي أمامنا جميعا الآن.. وطفلك لن يتورع عن إحراجك في ما بعد بفعل أكبر.. توقعي ذلك آجلا أو عاجلا.. وعلم النفس يقول أيضا: «أعط بندقية لطفل فإنه سيذهب للصيد ويقتل»، هذا ان لم يوجهها نحوك، اعطه قلما سيحاول ان يخربش به، اعطه كتابا سيحاول تهجئة حروفه.. اعطه بذورا سيحاول ان يزرعها.. ببساطة شديدة إن لم ترب ابنك قام هو بتربيتك.
بقلم : وداد الكواري

وداد الكواري