كتاب وأراء

مايطلبه الجمهور

في ثمانينات وتسعينات القرن الماضي اشتهر برنامج في كافة شاشات التليفزيونات باسم (ما يطلبه المشاهدون)، وعلى غراره كان برنامج (ما يطلبه المستمعون) على ترددات كل الاذاعات.
ومن اسم البرنامج نستطيع دون تفكير أن نعرف محتواه فهو يلبي كافة طلبات الجمهور. كل ما يريدون مشاهدته، أو سماعه، وبالتالي أصبح لدى الجمهور قناعة بأن طلباته أوامر، وبالتالي على الإعلام أن يسخر نفسه لتحقيق هذه المطالب بحيث يكون للمشاهد الحق في مشاهدة ما يريده، وللمستمع الحق في سماع ما يريده، لتنتقل هذه الثقافة تباعاً إلى قارئ الصحافة بحيث له الحق في نشر مايريد لتصبح السلطة الرابعة مجرد طبق سلطة تحتوي على كافة الأصناف التي يفضلها القارىء وتشبع رغباته العاطفية وليس العقلية.
لتقريب الفكرة بشكل أوضح.. لماذا جمهور قناة (البي بي سي) يختلف عن جمهور قناة (السي ان ان)؟ لسبب بسيط لأن عقلية كل جمهور تنساق بشكل لا إرادي في الرغبة بمشاهدة، وسماع، ما يريد أن يشاهده، وما يرغب في سماعه، بحيث يتوافق مع ما يوجد في عقله الباطن من افكار، وتوجهات، وأهواء، دون رغبة حقيقية في معرفة الحقيقة المجردة والتي هي الوظيفة الاساسية للإعلام.
إذاً الحديث عن الحيادية، والموضوعية، والذي دائماً ما نتهم هذه القنوات بعدم تطبيقه، هو في الأساس شعار وهمي يرفعه كذلك الجمهور لأنه ليس بالموضوعي، ولا الحيادي. وهذا الوصف ينطبق كذلك على مستخدم وسائل التواصل الاجتماعي في وقتنا الحالي.. فالكل يجري وراء هشتاق دون فهم مهما تضمن من سب وقذف وشتم ولا استثنى المثقفين الذين يفترض أن يحملوا راية التغيير ولكن نجدهم ينساقوان وراء العوام.. وكل هشتاق بمافيه ينضح.
باختصار نحن أمام مجتمع يريد أن يسمع، ويشاهد، ويقرأ، ما يريده وليس ما يجب أن يكون.
إن معظم المشاكل تكون بسبب أن الشخص يريد من الشخص الآخر أن يكون مثله.. يقول ما يريد ان يسمعه،ويفعل ما يريد أن يشاهده، ويكتب ما يريد أن يقرأه. فإذا قال لك شخص لابد أن تفعل كذا لا كذا. فهذا يريد منك أن تكون نسخة منه وبالألوان. فتصبح أنت مجرد جهاز نسخ بحيث يكون هو لوحة المفاتيح الذي يدخل البيانات، وليس هذا فقط بل يريد أن يوجهك بالريموت كنترول يقلب من محطة إلى أخرى.
وفي الختام.. يجب علينا إعادة برمجة عقولنا قبل فوات الاوان قبل أن نعود إلى عصر هذا ما وجدنا عليه آباؤنا.
بقلم ماجد الجبارة

ماجد الجبارة