كتاب وأراء

الأطفال ضحايا الصراعات المسلحة

في عام 1997 اتخذت الجمعية العامة للأمم المتحدة قراراً بإنشاء «ممثلية خاصة للأطفال في الصراعات المسلحة». وعهد اليها بإعداد تقارير حول انتهاك حقوق الاطفال ورفعها إلى الأمين العام للمنظمة الدولية ولمجلس الأمن الدولي. ومهمة هذه التقارير هي الكشف عن انتهاك حقوق الأطفال لاتخاذ الاجراءات العقابية بحق المرتكبين سواء كانوا حكومات أو جماعات مسلحة. وتؤكد التقارير التي وضعتها هذه الممثلية ارتكاب ست أنواع من الانتهاكات في مناطق الصراع في الشرق الأوسط وافريقيا وآسيا. وهي:
القتل، العنف الجسدي، التجنيد العسكري، اقتحام المدارس والمراكز الصحية، الخطف؛ اضافة إلى منع وصول المساعدات الإنسانية للمحتاجين في المناطق المتنازع عليها. وتنتهك كل هذه الأعمال معاهدة جنيف لعام 1949 التي تنص على حماية المدنيين وتقديم المساعدات اللازمة لهم اثناء الصراعات المسلحة، كما تنتهك معاهدة حقوق الأطفال، التي تعتبر أكثر الوثائق الدولية التي حظيت بالموافقة والتأييد.
غير ان الوقائع على الأرض تبين ان هذه الوثائق تحولت إلى «نمر من ورق». يؤكد ذلك ما يحدث للأطفال في مناطق الصراع المسلح في سوريا والعراق، وفي اليمن وليبيا والصومال. وكذلك في كشمير ونيجيريا والكونغو وسواها.
وتوجه اصابع الاتهام تحديداً إلى منظمات مسلحة من داعش وطالبان وبوكو حرام وحركة الشباب الصومالية، وحتى إلى حكومات رسمية. وقد ذهب بعض هذه الحركات المسلحة، مثل طالبان في أفغانستان، إلى حد قتل الأطفال لمنعهم من دخول المدارس الحديثة.
وفي سوريا مثلاً، فان تقارير الأمم المتحدة تؤكد ان 25 بالمائة من المدارس قد دمرت أو اقفلت.
ليس الاعتداء على الأطفال، حتى في زمن السلم، بالأمر الجديد. ففي كتاب صدر في لندن في الاسبوع الماضي للمؤرخ جيمس شارب ( وهو متخصص في تاريخ الجرائم)، يكشف المؤلف عن الجرائم التي كان يتعرض لها الأطفال في بريطانيا في العهد الفيكتوري (نسبة إلى الملكة فيكتوريا). واسم الكتاب «تاريخ العنف في إنجلترا». وفي هذا الكتاب يقدم المؤرخ رقماً مذهلاً عن الجرائم التي استهدفت الأطفال، ويقول ان خمس جرائم القتل كان ضحايا دون السنة الواحدة من العمر. ويقول ان قتل الاطفال كان أحد أكثر الوسائل شيوعاً للتخلص من غير المرغوب فيهم، وذلك قبل قرون من اللجوء إلى الاجهاض، ويذكرنا ذلك بالسلوك الجاهلي من خلال وأد المولودة الأنثى تخلصاً منها والذي أدانه الإسلام وحرّمه.
ويقول المؤلف ايضاً ان بعض العائلات التي لم تكن ترغب بتربية أطفالها، كانت تبيعهم إلى عائلات أخرى. وان هذه العائلات كانت تعمل على رعايتهم حتى سن المراهقة، ثم كانت تبيعهم كأيدي عاملة رخيصة. وان العديد منهم كان يموت من جراء الإهمال.
ويقول المؤلف أيضاً انه في ذلك الوقت لم يكن المجتمع ينظر إلى الطفل بالقداسة التي ينظر اليه بها اليوم.
ويقدم المؤلف أرقاماً عن عدد جرائم القتل في بريطانيا في ذلك الوقت، ويقول انه في عام 1340 كانت ترتكب 20 جريمة قتل مقابل كل مائة ألف من السكان. حتى المرأة كان يرمى بها في برك المياه حتى تختنق لمجرد الظن بسوء سلوكها. وكان المتهم يجلد في مكان عام عقاباً له.. ولم يتوقف العمل بتنفيذ عقوبة القتل في الساحات العامة الا في عام 1868.
ولعل من ابشع الجرائم ضد الأطفال في بريطانيا في تلك الحقبة التاريخية، كما ورد في الكتاب، ان بعض العائلات كانت تنجب الأطفال بهدف التأمين عليهم.. ومن ثم التسبب في موتهم حتى تقبض من شركات التأمين التعويضات المالية المتفق عليها.
أما اليوم فان ما يحدث في مناطق الصراع، وخاصة في سوريا والعراق، فان قتل الأطفال لا يعود بأية فائدة مادية على عائلاتهم.. بل ان عائلاتهم غالباً ما تقضي معهم تحت أنقاض بيوتهم المدمرة بأحدث أدوات التدمير والقتل من الجو والبرّ!!.

بقلم : محمد السماك

محمد السماك