كتاب وأراء

لبنان ما بعد فقدان التوازن العربي

ظلت معادلة الاستقرار اللبناني، مرهونة باتفاقية الطائف اسماً، فيما يَرسم مسرحه السياسي النفوذ الإقليمي والدولي، والحصة العربية كانت محدودة فيه، قبل أن تصعد بعد اغتيال الرئيس الحريري، وتورط النظام السوري وحلفائه فيه، وهو ما ساعد في خلخلة القوة المركزية التي بسطها الأسد، واستثمر مع إيران فرض الواقع السياسي، وتفصيل طائف لحساب دمشق، وإلحاقه بالطائف الأصلي لانتزاع مشروعية دولية وعربية.
لكن شركاء النظام من إيران وفصائلها داخل الحالة الشيعية اللبنانية وخارجها، أسسوا مشروع صناعة أيدلوجي يتداخل مع بنية المجتمع ويُكرس غالبية الطائفة الشيعية لصالح مشروعه، وتحويل «طأفنة» المجتمع القديمة في لبنان، إلى دويلات طوائف، تراجعت فيها كل الطوائف إلّا الشيعية الإيرانية الجديدة، وبقيت الحالة المارونية في واقع انقسام، لكنه تعزز تدريجيا لمصلحة فريق الأسد وإيران، من بكركي والجنرال عون حتى «القوات اللبنانية» مؤخراً.
ومع تعزّز فُرص القوة الإقليمية العربية، بسنوات الثورة السورية الأولى التي اضطرب فيها النظام وإيران، قويت إمكانية التحالف الوطني/السُني، أي خليط من الطوائف، مع المجتمع السني الجديد الذي صنع حضوره الرئيس رفيق الحريري وقاده نجله سعد، غير أن هذا الحضور كان لديه مشكلتان في قضية تخلّقه، الأولى ذاتية والثانية في نوعية الدعم العربي، الذي قادته السعودية، بعد انهيار قدرات الدعم العربي الأخرى، في عهد أنظمة قومية تبنت فصائل متعددة خلال الحرب الأهلية، والمقاومة العربية الفلسطينية قبل إخراجها، وبسط إيران قوتها في الحدود الجنوبية، مما ساعد حزبها على اكتساب شرعية مقاومة كان هدفها مشروع لبنان الجديد، وليس معادلة قهر إسرائيل أمام العرب، ولذلك تحالفت إيران وحزبها مع تل ابيب في سوريا.
هذه القوة هي المقابلة للجسم الوطني الذي قاعدته الكبرى تيار المستقبل بغالبيته السنية، والذي كان هشا في تجميعه وتحشيده السياسي، ففي الأصل هو لا يقوم على بناء أيدلوجي متماسك مقابل الشيعية الإيرانية، وتَطوُرُ حضورِه كان يعتمد بصورة كبيرة على قدرات اقتصادية، سخّرت الموقف السياسي إعلامياً، ليكون بديلاً عن قوة النفوذ الفكري والاستراتيجي أمام المشروع الإيراني.
الأمر الآخر أن التيار وحلفاءه، قدموا الكثير من الخدمات للمشروع الغربي ضد عروبة لبنان، وهو الغرب الذي كان يتشكك دائما من أي حضور للحالة العروبية التي تحتضن السُنة والوطنية اللبنانية المتنوعة معها، كونه يفرض حالة استقلال ورابط قومي متين مع الوطن العربي.
فالغرب منذ تقسيم لبنان الإداري وخضوع العثمانيين له، كان يسعى لإبقاء لبنان خارج جسور البناء العربي المتماسك، ورأى في إضعاف الحالة السُنية الحاضن الطبيعي لعروبة لبنان، هدفا مهما لتحقيق المعادلة، واستفاد من الضعف السياسي للمستقبل لتمرير ضغوطه، الذي أظهره كشركة مساهمة تجارية استوعبت الديمغرافية السنية مع حلفاء مصالح موسمية، تتغير سريعاً لا مصالح استراتيجية طويلة المدى.
وخلال هذه الفترة كُرّس هذا البديل الضعيف، أمام إيران واستمر تراجعه، ثم تعزز بالمصادمة الأخيرة بين سعد الحريري والسعودية، لأسباب اقتصادية معلنة رسميا، وهو ما يؤكد الأزمة التي أشرنا لها في مطلع المقال، في قضية غياب صناعة البديل العربي، الممتد جذوره والذي يشكل بناءً أرضيا وفكريا قويا، يُدعم بقناعة عربية ومصالح تتجاوز معادلة الشركات، إلى قاعدة المشاركات في هوية لبنان، واستقراره السياسي والاجتماعي.
واليوم لم يعد هناك مساحة أمام هذا التوازن، لتراجعه الكبير أمام القوة الإيرانية بأضلاعها، وبالتالي العودة للجنرال عون تأتي وفقا لسياقات الانهيار القائمة في الإقليم، وهي مساحة تفرض معادلتها على بيروت، وتخنق سُنة لبنان ووطنييه العروبيين، وقد تصل إلى أن تفوق طهران قد يدفعها، لحرب أهلية جديدة تُغيّر بها الديمغرافية اللبنانية بحجة مكافحة الإرهاب، والسؤال هل هذه الحرب المباشرة أو الضمنية على السُنة، تخدم مسيحيي لبنان ومعادلة بقائه الوجودية؟
بقلم : مهنا الحبيل

مهنا الحبيل