كتاب وأراء

مستقبل لبنان على مفترق طرق

ليس سرا أن تفاهمات إقليمية هي التي فتحت الباب لتسوية في لبنان أنهت الفراغ الرئاسي الذي دام قرابة عامين ونصف، وفريق 8 أذار الذي عد انتخاب الجنرال ميشال عون، نصرا له، يدرك أن ذلك ما كان ليتحقق لو لم يحدث مثل هذا التفاهم.
وهنا لا يمكن للمراقب أن يقرأ تنصيب عون بمعزل عن خطوة تالية ووشيكة، تتمثل بتكليف زعيم تيار 14 أذار سعد الحريري بتشكيل حكومة لبنانية جديدة، وثمة من يعتقد أن التسوية في لبنان هي مقدمة لتسويات على جبهات الحرب في أكثر من مكان في المنطقة، وقد نشهد تجلياتها في سوريا قريبا.
هذا هو لبنان بلد المفارقات العجيبة؛ الغريمان السياسيان يتقاسمان السلطة، بعد أن وقفا لزمن على حافة الاحتراب،
انتخاب عون، وتكليف الحريري الوشيك، ينهي أزمة الحكم المستعصية في لبنان، لكن ماذا عن المستقبل؟
يقول عون في خطاب تنصيبه أنه سينأى بلبنان عن مشاكل المنطقة وحروبها، يجد المرء صعوبة في هضم هذه المقولة، خاصة عندما تصدر من زعيم انخرط في تحالف استراتيجي مع حزب الله، والذي بدوره تورط وورط معه لبنان في الأزمة السورية.
لقد سقطت سياسة النأي بالنفس تلقائيا، منذ ذلك اليوم الذي دفع فيه حزب الله الآلاف من مقاتليه إلى ساحة المعركة في سوريا، فقتلوا ما قتلوا من السوريين، وسقط منهم المئات أيضا، وما يزالون على نفس الدرب حتى يومنا هذا.
الرئيس المنتخب حديثا، يقف في نفس الخندق، يدعم حزب الله في تورطه السوري، ويساند النظام السوري دون تردد،
وجلبت هذه المغامرة المتاعب الكثيرة للبنان، وعمقت الانقسام الداخلي إلى حد يهدد السلم الأهلي الهش في بلد تحكمه معادلة طائفية حساسة.
التورط في سوريا، أشعل جبهة الحدود اللبنانية، التي أصبحت مسرحا لعمليات الجماعات الإرهابية، بعد أن تمكنت الأخيرة من السيطرة على بلدات لبنانية، وتنفيذ عمليات دامية في قلب بيروت، ومناطق عديدة في لبنان.
ربما يكون لبنان قد تجاوز فعلا عنق الزجاجة، بتغلبه على أزمة الفراغ الرئاسي، وإعادة تفعيل «الترويكا» السياسية المشلولة، لكن الزجاجة كلها قابلة للانفجار،إذا لم يتمكن رئيس الجمهورية المنتخب من سحب فتيل القنبلة.
والتحدي الأساس أمامه هو تجاوز مواقفه السابقة كزعيم لفصيل سياسي، والتصرف كرئيس لكل اللبنانيين، والعمل بجدية من أجل كف يد القوى اللبنانية التي تتدخل في الشأن السوري، وتعرض مستقبل لبنان كله للخطر.
هل بمقدور عون وقد أصبح رئيسا للبنان، أن ينقلب على تحالفاته السابقة، ويتخذ مسافة واحدة من كل اللبنانيين؛ احزابا وفصائل ومواقف؟
وربما يكون رئيس الوزراء المقبل سعد الحريري هو الآخر أمام نفس الاستحقاق المطروح على عون، وإلا كيف لهما أن يتعايشا، ويسيرا أعمال الدولة المعطلة، إذا ما تمترسا خلف مواقفهما السياسية؟
إن خيار النأي بالنفس هو الخيار الصائب لدولة صغيرة محكومة بمعادلة خاصة مثل لبنان، لكن ما حصل في السنوات الثلاث الأخيرة من تحولات وتطورات خاصة بالشأن السوري، أفقدت لبنان ميزته، ووضعته على فوهة البركان.
وأخطر ما يمكن أن يحدث للبنان في المستقبل هو أن يتصرف تحالف 8 أذار على أن انتخاب ميشيل عون هو نصر له، وتفويض دستوري للمضي بنفس السياسة حيال الأزمة في سوريا.
ذلك يعني مزيدا من التورط في الوحل السوري، وموت المزيد من اللبنانيين في حرب لاتعنيهم، وتعمق الانقسام الداخلي، وشلل الإدارة الحكومية، بما يجعل الفراغ الرئاسي أهون من رئاسة تجر البلاد إلى متاعب أكبر.

بقلم : فهد الخيطان

فهد الخيطان