كتاب وأراء

سبب غير معلن

ليس هناك شخص عظيم أمام خادمه، هذا مثل أيطالي، والمعنى ان الخادم يعرف الكثير عن حياة الشخص الذي يقوم بخدمته، يعرف أدق أسراره ونقائصه. وهو يراه ليس كما يراه الآخرون. فهو بالنسبة له شخص عادي جدا.. مهما كان عظيما في المقام أو المنصب أو الجاه أو الشهرة.. ولعل أكثر شخص حظي بالشهرة وان كانت شهرة مقيتة هو الرجل الذي تسبب في أبشع الحروب ومات بسببه وعلى يده الملايين من البشر «هتلر» والذي كان يكرر بغضب وعلى مسمع من الخدم أن اليهود لم يكتفوا بتدمير اقتصاد المانيا بل حاولوا ان يدمروا سعادته الشخصية وانهم سيدفعون الثمن، ولهذا الكره الشديد قصة ترويها «بولين كوهلر» خادمته لعدة سنوات. إذ تقول إنه تعرف على ممثلة ألمانية جميلة تدعى «رينيت مولر» عن طريق وزير الدعاية البغيض «جوبلز» وكانت مرشحة للزواج من الفوهرر، ولما كان هتلر رجلا يفتقر للمرح والثقافة فقد حاول نيل اعجابها بالطريقة الوحيدة التي يجيدها «استعراض القوة» إذ مد يده بالتحية النازية في أول لقاء وقال: «أستطيع رفع ذراعي بهذه الشكل لمدة ساعتين كاملتين دون أن أشعر بالتعب»، وكانت هذه أولى محاولات هتلر لبناء علاقة حب مع الجنس الناعم، وتلت هذا اللقاء أسابيع كان يرسل لها فيه كميات ضخمة من الازهار يوميا، ومجوهرات ثمينة ومعاطف من أغلى انواع الفراء، وأمر وزير دعايته بتلميع صورتها أمام الرأي العام، فظهرت الصحف تصفها بأنها أعظم ممثلة أنجبتها الأمة، كما صدرت الأوامر بعرض افلامها السابقة في جميع دور السينما، ولكن كل هذه المغريات لم تستولي على قلبها الذي سلمته طواعية لشاب يهودي ورث ثروة طائلة من والده، ولم يزج به في معسكرات الاعتقال مع الآخرين لعراقة أسرته التي عاشت في ألمانيا لاكثر من مائتي عام. واستمرت اللقاءات سرا إلى أن أحست الفتاة بالخطر، وخطورة هذه العلاقة عليهما معا في ظل الاضطهاد والرعب المهيمن على الجميع من قبل الديكتاتور وزبانيته، فطلبت من حبيبها مغادرة البلاد، وفي باريس جدد العاشقان عهود الحب، إلى ان كشف البوليس السري «الجستابو» أمر هذه العلاقة، والتقطوا لهما عدة صور، وصلت بسرعة البرق مع تقرير مفصل إلى يد «هتلر» الذي ابيض وجهه من شدة الغضب وأعطى أوامر بان تمثل «رينيت» أمامه حال عبورها للحدود، وحين رآها كاد ان يطلق عليها رصاصة، لكنه اكتفى بشتمها وتهديدها وابتلع تلك الاهانة التي لحقت به وجرحت كبرياءه لشدة حبه لها، وبعد شهرين لم تستطع «رينيت» الالتزام بوعدها بالابتعاد عمن تحب، فعادت إلى مقابلته وودعته الوداع الأخير ثم ألقت بنفسها من نافذة غرفتها في الطابق الثالث وودعت الحياة، وبذلك ساهمت رغما عنها في زيادة جنون هتلر الذي توعد اليهود بالويل، وظل لعدة أيام يبكي قصة حب لم تكلل بالنجاح.
بقلم : وداد الكواري

وداد الكواري