كتاب وأراء

المصارحة والشفافية

عودّنا حضرة صاحب السمو، الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، أمير البلاد المفدى، على أن تكون خطاباته واضحة ومباشرة، وتتميز بالمصارحة والشفافية، ليضع الوطن والمواطن، وكل من يعيش فيه ويتعامل معه بصورة الواقع، والظروف الراهنة كما هي، وما هو متوقع، بعيدا عن كلمات المجاملة، والخطب الرسمية بطابعها المعروف وشكلها المألوف.
فقد تفضل سموه، فشمل برعايته الكريمة افتتاح دور الانعقاد العادي الخامس والأربعين لمجلس الشورى، بمقر المجلس، صباح أمس، وألقى كلمة هامة يتعين التوقف عندها مليا، ومراجعتها كليا، إذ أنها حددت بشفافية عالية وصراحة تامة ما نواجهه اليوم من تحديات، وما نتطلع إليه جميعا من أجل استكمال مسيرتنا التنموية.
لقد استأثر الشأن الاقتصادي بالجانب الرئيسي من الكلمة السامية، في ضوء الظروف التي فرضها الانخفاض الكبير في أسعار المواد الهيدروكربونية، ونعلم جميعا أن سعر خام القياس العالمي، مزيج برنت، انخفض إلى نحو 45 دولارا للبرميل، منذ يناير 2015، من 115 دولارا كان عليه قبل ذلك بنحو ستة أشهر، ومازال سعر برميل النفط يتأرجح في تلك الحدود المنخفضة.
بالعودة إلى كلمات صاحب السمو الماضية، يمكن ملاحظة ذلك الاهتمام الكبير والفريد بمسألة تنويع مصادر الدخل، لتجنب الاعتماد الحصري على النفط والغاز، والمتمعن فيها سوف يخلص إلى أن سموه راعى منذ وقت طويل مسألة تقلبات أسعار الطاقة، مما يستدعي وجود استراتيجيات بديلة، ومن ذلك النهوض بالقطاع الخاص، إذ أشار إلى ذلك تحديدا في الكلمة التي ألقاها في افتتاح دور الانعقاد العادي الثالث والأربعين لمجلس الشورى (2014)، بقوله: إن تنويع مصادر الدخل أصبح ضرورة نعمل على تحقيقها بمختلف السبل، ومن أهمها إفساح المجال أمام القطاع الخاص للمشاركة بفاعلية في مختلف أوجه النشاط الاقتصادي، والتنمية الشاملة للدولة، وتعزيز الاستثمارات للأجيال القادمة.
وفي تلك الكلمة أشار صاحب السمو إلى إقرار الحكومة برنامجا طموحا لتحفيز القطاع الخاص ودعم البنية التحتية للتجارة، ويفيد هذا البرنامج المكون من 19 مشروعاً ومبادرة، بدعم تنافسية ممارسة الأعمال.
لم تكن مشكلة أسعار المواد الهيدروكربونية قد وصلت إلى ماهي عليه الآن، لكن صاحب السمو أدرك مبكرا، أن هذه الأسعار عرضة لتقلبات قد تأتي بما لا نشتهي، وعليه لا بد من إعداد الخطط والاستراتيجيات الملائمة، وكان التركيز على دور القطاع الخاص، وتشجيع الاستثمارات، واحدا من تلك الاستراتيجيات، وفي كلمته عام «2014» أشار إلى ما اتخذته الحكومة من خطوات إضافية جادة لتعزيز مشاركة القطاع الخاص، حيث شجعت المؤسسات الحكومية على تعهيد الخدمات والعمليات المساندة للشركات الخاصة، وجرى التعميم على المؤسسات الممولة من الدولة بعدم تأسيس شركات أو الدخول في أنشطة اقتصادية دون إذن من مكتب معالي رئيس الوزراء، إذ لا يجوز أن تنافس الدولة القطاع الخاص.
أردت العودة إلى الكلمات الماضية، وتحديدا إلى كلمة سموه أمام مجلس الشورى عام «2014»، لأن صاحب السمو أخذ منذ وقت طويل مسألة تنويع مصادر الدخل باهتمام بالغ، ولأن القطاع الخاص هو إحدى الوسائل المهمة والرئيسية، في هذا المجال، فقد أعطاه اهتماما استثنائيا منذ البداية، ووجه بتقديم الدعم والمساندة لتمكينه من النهوض بدوره على أحسن وجه ممكن.
لم تأل قيادتنا الرشيدة جهدا في سبيل تنويع مصادر الدخل، ولم تأل جهدا في تشجيع القطاع الخاص، وفي دعم الشركات الصغيرة والمتوسطة، وفي تطوير التعليم باعتباره الوسيلة الأولى لإفساح المجال أمام شبابنا من أجل المساهمة في عملية التنمية، ولم تدخر جهدا في تطوير مهارات هؤلاء الشباب عبر التدريب والإعداد والتأهيل، والآن من الطبيعي أن نتساءل ما إذا كنا قد قدمنا كل ما لدينا بالفعل، والدولة لم تبخل علينا بشيء؟.
دعوني قبل ذلك أعود، مرة أخرى، إلى كلمة صاحب السمو عام «2014»، إذ أكد سموه على أن التبذير والإسراف وسوء التعامل مع أموال الدولة، وعدم احترام الميزانية، والاعتماد على توفر المال للتغطية على الأخطاء، هي سلوكيات لا بد من التخلص منها، سواء أكانت أسعار النفط مرتفعة أم منخفضة.
فالعقلانية في الصرف مسألة اقتصادية من الدرجة الأولى، ولكنها ليست مسألة اقتصادية فحسب، بل مسألة حضارية متعلقة بنوع المجتمع الذي نريده، ونوع الفرد الذي ننشِئُ في دولة قطر.
اليوم، وأمام مجلس الشورى، أعاد سموه التأكيد على هذه القضية الهامة، عندما أشار إلى أهمية دور الفرد مرة أخرى، بقوله: حين أرى لافتات معلقة في الشوارع كتب عليها «قطر تستحق الأفضل» أقول إن الأصح أن يكتب «قطر تستحق الأفضل من أبنائها»، وثمة تحديات لا بد من التعامل معها متعلقة بدوافع الشباب، وقيمه وتأثير الثقافة الاستهلاكية على هذه الدوافع والقيم.
بهذه الشفافية، وضعنا صاحب السمو أمام مسؤولياتنا كمواطنين، فإذا كان وطننا الحبيب يستحق الأفضل، فإن ذلك لن يتأتى سوى عن طريق أبناء الوطن، وهذا يعني المشاركة بمسؤولية، عبر «مقاربةً تجمع ما بين التوقعات من الدولة والتوقعات من المواطن المنتمي لهذا المجتمع، ولهذا الوطن».
لقد حدد صاحب السمو «10» عناصر أساسية لخص فيها محاور استراتيجية قطر الوطنية الثانية (2017- 2022)، وقد سمعناها كلها، لكنني أود التوقف عند قضية مهمة للغاية تناولها سموه تتعلق بالمراجعة المستمرة لتعرفة ورسوم العديد من الخدمات والسلع، لتعبر بشكل أفضل عن تكلفتها الاقتصادية، وتوجيه الدعم نحو الفئات التي تحتاجه وبشكل لا يؤدي إلى الإسراف والتبذير، وهنا أود أن أشير إلى أن هذا الأمر يكتسب أهمية خاصة للغاية تستدعي مشاركتنا جميعا من أجل تغيير الثقافة الاستهلاكية، والمساهمة في اكتشاف إمكانيات الترشيد في الإنفاق، والتمييز بين الضروري وغير الضروري، والمفيد وغير المفيد، وإذا كنا جميعا نؤمن بأن قطر تستحق الأفضل، فإن المسألة الجوهرية تتعلق بنا نحن كأفراد عبر منحها الأفضل، كل في موقعه، وحسب قدراته وإمكاناته، ومن ذلك ترشيد الإنفاق، والحد من الاستهلاك، وتحقيق التفاعل الحقيقي، وعدم الاكتفاء بإطلاق الشعارات وحدها.
لقد وضعنا صاحب السمو أمام مسؤولياتنا الوطنية، كأفراد وأسر ومجتمع، لكنه قبل كل ذلك وضع الدولة أيضا أمام مسؤولياتها عبر التأكيد على توفير الاستمرارية الضرورية لإتمام مشاريع البنية التحتية، ومراجعة الأولويات، وإنجاز مشاريع التعليم والصحة، وإزالة العوائق البيروقراطية أمام الاستثماروتحفيز القطاع الخاص، والانتقال من حالة التلقي الكامنة في سياسات الرعاية الاجتماعية البسيطة إلى حالة الفعل، وهذه قضية في غاية الأهمية لأنها سوف تُمكّن جميع فئات المجتمع من المشاركة في التنمية الوطنية.
مما يتعين التوقف عنده أيضا، ما تناوله صاحب السمو في كلمته حول دور القطاع الخاص، فقد حظي هذا القطاع بتسهيلات قل نظيرها، وهو بالفعل شهد تطورا مهما، ومع ذلك فقد تناول سموه هذا الموضوع بالتأكيد على استثناء الشركات الصغيرة والمتوسطة من بعض المتطلبات الخاصة بالمناقصات الحكومية، ومنها الضمانات المالية، تحديث قوانين وتشريعات التجارة لتحرير بعض السلع والخدمات من احتكار الوكلاء التجاريين، بالإضافة إلى تحديث القوانين والتشريعات المتعلقة بالشركات، وأسلوب إعداد تقاريرها المالية بما يتفق مع المعايير الدولية، والعمل على الانتهاء من إعداد قانون الشراكة بين القطاع العام والقطاع الخاص، وقيام بنك قطر للتنمية بنشاطات متعددة لتشجيع المشاريع الصغيرة والمتوسطة، تشمل التمويل المباشر وغير المباشر، وتطوير مجمعات سكنية ضخمة للعمال في المنطقة الصناعية والمناطق الاقتصادية واللوجستية.
إن هذه المبادرات كفيلة بتعزيز دور القطاع الخاص، وزيادة مشاركته، دون الإخلال بدور القطاع العام، عبر تحديثه وتمكينه من أداء دوره بفعالية ونجاح، وهنا لابد من التوقف عند ما قاله صاحب السمو حول موظفي هذا القطاع، وضرورة عدم التهاون في أداء متطلبات العمل، وكما قال سموه فإن «العمل حق، لكن أداء الوظيفة المطلوبة واجب. فحق المواطن علينا هو التعليم والتدريب والتأهيل للعمل، وحقنا عليه هو أداء عمله على أحسن وجه، وإنجاز مهامه بالوقت المحدد والدقة المطلوبة والنزاهة التامة، وبصفته مواطناً فإن عليه واجباً إضافياً هو الارتقاء بالعمل والاعتزاز به، وتحقيق رسالته في خدمة المجتمع والدولة، وهذا يعيدنا مجددا إلى ما بدأ به صاحب السمو حول المشاركة بمسؤولية، عبر «مقاربةً تجمع ما بين التوقعات من الدولة والتوقعات من المواطن المنتمي لهذا المجتمع، ولهذا الوطن».
لقد كان المواطن على الدوام أساس عملية التنمية وهدفها وجوهرها، وقد وفرت قيادتنا الكثير في سبيل النهوض بهذا الدور، واليوم علينا أن نواجه حقيقة ما نقدمه، كأفراد، ونخضعه للتقييم العادل والموضوعي والشفاف، ثم نخلص بعدها إلى النتيجة، وهل هي متناغمة ومتجانسة مع ما يتم توفيره من سبل التعليم والتدريب والتطوير والتأهيل والارتقاء بالعمل؟!
يبقى أن نقول إن من واجب الوطن علينا العمل بطاقتنا القصوى، حتى تكون قطر كما نريد لها وكما تستحق، وأنا على يقين بأن شبابنا سوف يكونون عند حسن الظن، فهذا هو العهد بهم دائما.
في الشؤون الخارجية أكد صاحب السمو على ثوابت قطر ومبادئها، ومن ذلك دعم مجلس التعاون لدول الخليج العربية، وتعزيز وتطوير العلاقات بين دولنا الشقيقة، باعتباره يتبوأ صدارة أولوياتنا، وضرورة حل الخلافات بالحوار الهادف والبنّاء، في إطار الاحترام المتبادل وعدم التدخل في الشؤون الداخلية، في معرض حديثه عن أمن منطقة الخليج، وهذا بالتأكيد يكتسب أهمية استثنائية على ضوء ما تمر به منطقتنا وعالمنا العربي.
كلمة صاحب السمو استثنائية بكل ما في الكلمة من معنى، بسبب استثنائية الظروف على أكثر من صعيد، وهي تستدعي تحركات استثنائية منا جميعا، وإذا كان هناك ما يمكن أن أختم به، فهو العودة إلى الشعار الذي أعاد سموه صياغته: «قطر تستحق الأفضل من أبنائها»، وهو ما يجب أن نتمعن به، ونُحسن ترجمته، كل في موقعه، للنهوض بوطننا الحبيب، وإبقائه عزيزا شامخا، كما عرفناه دائما.

محمد المري