كتاب وأراء

البؤساء

أنت وأنا وأنتم سبق وصادفتم أو ستصادفون شخصا ضيق الصدر ممرورا على الدوام ومتذمرا، لسانه لا ينطق الا حقدا وكراهية، كائن يقيم على حافة الطبيعة الحيوانية، كما وصفه الكاتب الطاهر بن جلون في روايته «تلك العتمة الباهرة»، وأطلق عليه اسما غريبا «عشار»، هذا الغريب قفز إلى شاحنة فيها أناس لا يعرفهم، ومتجهة إلى مدينة «الرباط» ولم يعرف انها تحمل مساجين سياسيين اغلبهم أبرياء، وبدلا من ان يحظى بتوصيلة مجانية قضى في السجن عشرين عاما، لأن احدا لم يصدقه، ولم يقنع احدا ببراءته.. «عشار» جاهل ولا حيلة له في الحسد الذي ينهشه من الداخل.. حسود لأنه حسود، وحين كون احد المساجين صداقة مع عصفور دأب على الوقوف على الكوة التي تعلو الارض المدفون فيها احياء، ووجد فيه انيسا يناجيه ويحدثه ويسعد بتغريده.. غضب عشار وعاتب زميل المصيبة والمصير قائلا: ما حكاية هذا العصفور.. لِمَ يزورك انت ولا يزوني أنا؟ أنت دربته لكي لا يغرد لي.. لمَ هذا الاحتقار؟ لمَ هذا اللؤم؟ فأنا استحق ايضا ان يغرد عصفور لايامي المهترئة.. احتاج إلى عصفور يؤنس عزلتي وبؤسي.. ماذا تطعمه لكي تستميله اليك؟ قل ماذا؟.. ماذا؟
وتروي كتب التاريخ ان نابليون حرم من سكينة اليأس في منفاه في جزيرة سانت هيلانة الجرداء. لقد ابتلي برجل حسود كان أشد عليه من اعدائه، وحول حياته إلى جحيم حقيقي، هذا الرجل هو حاكم الجزيرة (هدسون لو) كان يكرر بمناسبة وبدون مناسبة على مسامعه انه أسيره وانه أصبح سيد الامبراطور السابق، وكانت تصرفاته تدل على فظاظة منبعها الحسد.. أراد ان تسجل كتب التاريخ اسمه مع اسم القائد والامبراطور الذي تخلى عنه الحظ.. وكان نابليون يفقد اعصابه ويذكر سجانه بأن اسمه سيظل محفورا في ذاكرة التاريخ في حين لن يعرف التاريخ شيئا عن «هدسون لو» ولم يتوقف هدسون عن مضايقته حتى مات.. لم تقتله الحروب والمكائد، وإنما قتله الحسد معنويا قبل ان يموت بالسم كما يقال.. وذات مرة فكر أحد المقتدرين في إسعاد المدعوين لحفل زواج ابنته الوحيدة، آملا ان تحظى ابنته بدعوة طيبة من افواه شاكرة ومعترفة بالفضل، قام بتحويل ثروة لا بأس بها إلى قطع ذهبية، وطلب من زوجته منح كل مدعوة قطعة ذهبية.. قطعة تكفي لسد احتياجات أسرة واحدة لنصف شهر على الأقل في تلك القرية الفقيرة، في نهاية الحفل سأل الثري زوجته عن ردود أفعال المدعوين.. قالت: سمعتهم يتذمرون، ووصلتني همساتهم انهم يقولون ماذا سيخسر هذا البخيل لو أعطانا قطعتنين بدلا من قطعة واحدة.. أطرق الثري بحزن ولسان حاله يقول: ولو كانت اثنتين لطمعوا في ثلاث.. وهكذا.. والحسود جاهل سواء كان أميا أو حاصلا على أرفع درجات العلم.. جاهل لأنه يتجرأ على عطايا خص بها الله عز وجل بعض خلقه، جاهل لأنه يتجرأ على الخالق قبل الخلق.

بقلم : وداد الكواري

وداد الكواري