كتاب وأراء

بين حاس وبحر البقر

في صباح أحد أيام إبريل من عام 1970 قامت إسرائيل بقصف مدرسة بحر البقر في محافظة الشرقية القريبة من العاصمة المصرية القاهرة، راح ضحية المجزرة ما يقرب الخمسين طفلا، يوما لم يكن هناك إنترنت ولا فضائيات ولا أجهزة اتصال حديثة، ولا وسائل تواصل اجتماعي، يومها لم يكن أحد ليسمع عن المجازر إلا عبر الراديو، لم يكن أحد يرى المجازر تنقل على الهواء مباشرة، ولم يكن الدم الطازج يغطي العيون والقلوب والأرواح، كان خبرا كهذا تبثه الإذاعات الرسمية وتتناقله وكالات الأنباء القليلة، لكن مجزرة كمجزرة بحر البقر لشدة فظاعتها، ورغم تصريح إسرائيل المتكرر أن المدرسة تستخدم لأهداف عسكرية، إلا أنها استطاعت تغيير موقف الولايات المتحدة والعالم تجاه إسرائيل تلك الفترة، وبقيت المجزرة عبر الزمن دليلا ناصعا على الهمجية الإسرائيلية، التي تعتبر أي عربي عدوا يستحق الموت، وحتى الآن لا يزال المصريون يعيدون إحياء ذكرى المجزرة في الثامن من إبريل من كل عام. المصريون والعرب والعالم أنفسهم الذين يرون أطفال سوريا يقتلون الآن على الهواء مباشرة، الذين يرون السوريين يجمعون أشلاء أطفالهم،وينتشلونها من تحت الأنقاض، السوريون الذين يقصفهم النظام السوري وتقصفهم روسيا وتقصفهم طائرات التحالف الدولي، بذريعة مشابهة للذريعة الإسرائيلية أيام مجزرة بحر البقر: ما يتم قصفه هو معاقل الإرهابيين، بينما تنقل الفضائيات جثث الأطفال السوريين الذين يذهبون ضحايا هذا القصف ضد الإرهابيين بالعشرات يوميا، ليس فقط في أحياء المدنيين ولا على الأفران ولا في المستشفيات وإنما في المدارس أيضا، المدارس التي يتم قصفها بذريعة أنها أيضا معاقل للإرهابيين، ولعل مجزرة مدرسة حاس في مدينة إدلب في الشمال السوري قبل أيام خير دليل على ذلك، إذ ذهب ضحية المجزرة ما لا يقل عن عشرين طفلا، قصفتهم الطائرات الروسية التي وضعت وصايتها على سوريا دون أن يعترض أحد.
مجزرة حاس تم نقلها على الهواء مباشرة، رأى الجميع في أنحاء العالم أشلاء أطفالها، سمع الجميع صراخ الناس هناك لحظة إطلاق الصرخة، لم يحتج الأمر أياما وأسابيع كي يعرف العالم ما يحدث.
وحاس ليست هي أول المجازر السورية، إذ ترتكب المجازر بحق السوريين واحدة تلو الأخرى، من خمس سنوات على الأقل، وعلى مرأى ومسمع العالم أجمع، ومع ذلك لا أحد يعترض ولا أحد يحتج، ولا تتغير سياسة اية دولة تجاه النظام السوري أو روسيا أو إيران أو الدول الأخرى الممولة لمرتزقة داعش والقاعدة الذين يفتكون هم أيضا بالسوريين.
وللأسف أن هذا الأمر لا يتعلق فقط بالحكومات، بل حتى بالرأي العام الشعبي العربي خصوصا، الذي لا يعنيه الدم السوري ولا كل هذا الموت الحاصل في سوريا، ألا يحق لنا كسوريين أن نسأل: كيف يسمي العرب ما حصل في بحر البقر مجزرة يتم إحياء ذكراها سنويا، وهي مجزرة بالفعل، بينما قتل عشرات الأطفال السوريين يوميا في بيوتهم ومدارسهم وأحيائهم يمر مرور الكرام وكأن لاشيء يحدث؟ ألا يحق لنا كسوريين أن نسأل عن الفارق الأخلاقي بين ما ارتكبته إسرائيل بحق العرب وبين ما يرتكبه النظام السوري وحلفاؤه بحق السوريين، حتى يتم هذا الصمت العربي المطبق عن هذه الجرائم؟ ألا يحق لنا كسوريين أن نسأل مثقفي العرب الصامتين والمؤيدين لكل هذا الإجرام ضد السوريين: أين أخلاقكم وضمائركم؟!

بقلم : رشا عمران

رشا عمران