كتاب وأراء

لحظة تبلد

قبل نحو عشرين سنة كان العرب في كل مكان يمتلىء يومهم بالتوتر ويشعرون أنهم مقصرون كثيرا في حق القدس والقضية الفلسطينية عندما يشاهدون لقطة في نشرة الأخبار لزفاف شهيد فلسطيني. هذه الحال لم تعد تتلبس العرب بعد ذلك بعشر سنوات فقد صاروا يشاهدون ويكتفون بالتحسر والتعبير في حضور من تواجد معهم في تلك اللحظة عن غضبهم مما يقوم به الصهاينة في فلسطين. اليوم طبعا تغير الحال تماما ولم يعد مشهد زفاف عشرات الشهداء يهز شعرة في الأبدان بل لم يعودوا يتابعون هكذا أخبار وكأن الأمر لا يعنيهم.
في السياق نفسه، كان العرب يتألمون لنفوق حيوان وصاروا يشاهدون الإنسان وهو يقتل بأبشع صور القتل وعلى الهواء مباشرة ولا يتأثرون بل أنهم يفرحون لمقتل أفراد من هذا الفريق لأنهم «يشجعون» الفريق الخصم! وهو ما يبدو واضحا الأن في سوريا والعراق واليمن على وجه الخصوص حيث هؤلاء يفرحون لمقتل أولئك، وأولئك يفرحون لمقتل هؤلاء، والسبب اختلاف المذاهب، والأمر نفسه يحدث بسبب اختلاف القوميات. الذين يؤيدون جيش النظام السوري تطربهم الأخبار التي تبثها الفضائيات المعبرة عنهم ويفرحون لمقتل المنتمين للمعارضة السورية، والذين يؤيدون جيوش المعارضة تطربهم الأخبار التي تبثها الفضائيات المعبرة عنهم ويفرحون لمقتل المنتمين لجيش النظام السوري. والأمر نفسه يتحقق في العراق واليمن، ناسين أو متناسين أن الذين يقتلون ويجرحون كلهم أو جلهم منهم وأنهم في خاتمة المطاف بشر خلقهم الله ليعمروا الأرض.
قبل عشرين سنة بل عشر بل ربما خمس سنوات كان الواحد منا يتأثر ويقضي يومه مضطربا ومتوترا ومهموما لو أنه شاهد فيديو يتضمن مشهدا ولو من بعيد لإعدام شخص أو تعرضه لإصابة، أما اليوم فصار مألوفا فتح هواتفنا المحمولة لحظة الاستيقاظ ومشاهدة فيديوهات تتضمن أبشع المشاهد لبيوت تدمر وأناس يتم إعدامهم أو تعذيبهم. الفارق بين ما كنا عليه وصرنا فيه هو أننا كنا نعاف الطعام طوال اليوم لو شاهدنا مشهدا مؤلما وإن لم يكن يرقى إلى ما نشاهده اليوم في هواتفنا المحمولة، بينما لم تعد كل مشاهد القتل والتدمير والدم تؤثر في إقبالنا على الطعام وسد شهيتنا فنأكل وكأن شيئا لم يكن ولم نر.
لو سألت المؤمنين بنظرية المؤامرة سيقولون لك من دون تردد إن هذا مخطط صهيوني تم إعداده بدقة وتم إنضاجه على نار هادئة. كلام خالي القيمة وإن لم يكن صعبا قبوله، ولو سألت غير المؤمنين بهذه النظرية لقالوا لك إن هذا أمر طبيعي بسبب تغير الظروف وتطور التقنية التي صارت في أيدينا، بينما لو سألت المتدينين لقالوا لك إن هذا غضب رباني وامتحان للمسلمين ولعلهم يقولون لك إن هذه من علامات الساعة.
أيا كانت التفسيرات فالحقيقة الماثلة هي أننا تحولنا مع الزمن وعوامله المختلفة إلى بشر لم يعد يحمل الكثير من صفات البشر، ولعلنا نصل إلى اليوم الذي لا نتألم فيه حتى على ما يصيبنا.

بقلم : فريد أحمد حسن

فريد أحمد حسن