كتاب وأراء

الأجـهــزة الـذكـيــة

أستغرب أن المربين والعلماء والمهمومين بهموم الأوطان والأمة ما زالوا يدعون إلى القراءة كمصدر أول وأهم للثقافة، فقد خرج أبناء الجيل الجديد بالقراءة الإلكترونية، ماذا يعنون بهذا؟ هـل يقـرؤون الكتـب إلكترونيـاً؟ ومتى كان العـربي مهتمـاً بالقـراءة ليفاضل بيـن الإلكترونيـة والورقية؟ وتسـألهم فـتكتشـف أنهم لا يعـنون هـذا «لقد اسـتغنينا بالإنترنت عـن القراءة، فهذه الشـبكة تعـطينـا أوسـع الخيارات، وتوفـر المعلومات بيسـر وسـهـولة» الهـدف إذاً البحـث عن معلومات، وليس القـراءة للاطلاع والثـقافة. وتقول: ولكن المحتوى بالعربية عـلى الإنترنت لا يتجاوز 1% من المحتوى الكلي، وتكتشف أنهم اكتفوا بهذا الواحد بالمائة، بل لعله يفيض عن احتياجاتهم واهتماماتهم.
قبل سـنوات سخر مدوّن مغربي من الإنترنت والعالم كله، حين نشـر خبـراً «مفـبركاً» عـن الرئيس الفرنسـي ساركوزي، ونقـلته عنه إحدى الصحف، ونقلت عنها صحيفة أكبر، حتى وصل إلى وكالات الأنباء العالمية، عندها كشف هذا المدوّن السر، وقال إنه أراد أن يثبت كيف يمكن أن تكون الإنترنت عامل تضليـل. وكم قـرأنا من معلومات قيـل إنها علميـة، ثم دقـقنا فاكتـشـفنا أنها دجل، كالطبيـب الأميركي الذي برهـن طبياً على «عدة» المرأة ثم أسلم، وبالبحث تبين عدم وجود هذا الطبيب المشهور، وعدم وجود المعهد الذي يعمل فـيه، وكالعلماء اليابانيـين الذين أدهشـهم في تجربة أن القرآن الكريـم ذكر الزيتون سـت مرات وذكر التين مرة واحدة، ثم أسلموا.
ثم جاءت مصيبة المصائب مع ما يسمى «الأجهزة الذكية» وعلق أبناء العصر بما ينتشر على هذه الألواح، وانشغل الناس كبارهم وصغارهم بـ «فيس بوك» و«واتس أب» و«إنستغرام» و«سناب شات» وأشياء أخرى لا أعرف أسماءها، وصرت ترى الناس مجتمعين ومتفرقين كما في سـهرات أيام زمان عـندما عرفنا التليفزيون، كانو يجتمعـون فـلا يتبادلـون أي حديـث لأن الجميع مشدودون إلى التليفزيون.
وصار «واتس أب» مصدر إزعاج، تسمع صفير الجهاز، وإذ رسالة من أحد ما أضافك إلى مجموعته دون أن يستأذنك، وتنهال عليك الرسائل، تغلق باباً فينفتح عشرة. وينشغل الجميع بما ينشر على «فيس بوك». صار كل من هب ودب كاتباً، قد ينقل من هنا وهناك، لكنه صار ينافس الأقلام الكبيرة، ويقول أحدهم: لقد قرأت هذا على فيس بوك، وكأنه قرأه في الموسوعة البريطانية. يا جماعة، فيس بوك وغيره ليس أكثر من صفحات مفتوحة ينشـر فيها من يشـاء ما يشاء، ولذلك يمتلئ بالتفاهة والدجل والكذب وتشويه الحقائق.
هل ثمة ضابط لما ينشر في هذه المواقع؟ هل صرنا عبيداً لهذه الأجهزة الذكية؟ وأين الذكاء الإنساني وهو أساس الحضارة والتقدم؟ وأين الثقافة والبحث عن الحقيقة؟

بقلم : نزار عابدين

نزار عابدين