كتاب وأراء

منذ الأزل

سئل أحدهم الجاحظ عن الحسد فقال: «الحسد أبقاك الله داء ينهك الجسد، علاجه عسير، وصاحبه ضجر، وهو مسلك خفي يعسر الخروج منه، وما ظهر منه لا يداوي، وما بطن منه فمداويه في عناء، ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم:«دب إليكم داء الأمم من قبلكم الحسد والبغضاء» والحسد قرين الكفر، وحليف الباطل، وضد الحق، ومنه تتولد العداوة، وهو سبب كل قطيعة، ومفرق كل جماعة، وقاطع كل رحم بين الاقرباء، ومحدث الفرقة بين القرناء، ومولد الشر بين الحلفاء» لقد عاش أشهر شعراء الاغريق «هسيود» في نهاية القرن الثامن قبل الميلاد، ولم يصلنا من اعماله سوى قصيدتين، اجيال الالهة، والاعمال والايام، والقصيدة الاخيرة موجهة لشقيقه الذي اغتصب نصيبه في الميراث وطرده من المزرعة..وهسيود عانى من الحسد والحساد ولم يفته ان يوجه النصيحة للمزارع، حيث كانت الزراعة هي المهنة الاساسية آنذاك بقوله: «اذا ما حرثت في الوقت المناسب فلن تجد وقتا لتحسد الآخرين، ولكن احدا آخر سوف يحسدك، ورغم ذلك اذا حرثت متأخرا سوف تجني القليل وسوف يحسدك قليلون.
ان روح الحسد بوجهها الكريه وصوتها الصاخب، والتي تفرح للشر، سوف تظل الرفيق الدائم للإنسانية البائسة.
وفي النهاية فإن الأدب والاحترام،ب عد ان يلفا هيئتهما البراقة في عباءتهما الشاحبة، سوف يذهبان بعيدا عن الارض ذات الطريق الواسعة، هاجرين كل الجنس البشري، وكل ما سيتركانه للإنسان هو الألم الخبيث.
لقد كانت تلك الآفة، آفة الحسد، التي تلتهم الروح مثلما تلتهم النار الحطب موجودة منذ الازل، انها رفيق الاشخاص فارغي العقول كما قال المؤرخ الاغريقي «بلوتارخوس» أما خطيب القرن الرابع ديموسثنيس فقد ضاق بمكائد الملك فيليب المقدوني وأعلنها صريحة: ان أول الرذائل المميتة التي دخلت بلاد الاغريق هي الحسد.
ويذكر افلاطون في كتابه(الجمهورية) ان الحسد هو اكثر الشرور شرا، وهو الرفيق القبيح للروح الشريرة، ويلخص الشاعر «مناندر» المعنى في بيتين من الشعر: ان الشخص الحسود يدخل في حرب مع نفسه؛ لانه يكون محاطا دائما بالأحزان التي يبتلى بها نفسه، وحين وصل الخطيب ايسوكراتيس لسن التسعين، ألف كتابا للرد على الحاقدين الذين حولوا حياته إلى جحيم قال فيه: ان الذين يشعرون بالحسد تجاهي يجدون سعادة في تقديم صورة مزيفة لي، بالرغم من انهم يعرفون شخصيتي جيدا، ويعرفون طبيعة الحياة التي احياها، وهناك من يتهمني بتقاضي مبالغا طائلة من تعليمي لأبناء الاثرياء معتقدا ان المبالغة في تقدير قيمة ما اتقاضاه سوف تشجع المستمع على الشعور بالحسد تجاهي، ان الحسد يتبع اولئك الذين يتقدمون في طريق الشهرة مثل الظل الذي يتبع المسافر في ضوء الشمس.
إن حسنة الحسد الوحيدة انه أكبر شر لمن يملكه ويستحوذ عليه.

بقلم : وداد الكواري

وداد الكواري