كتاب وأراء

الارتجال امتحان الموهبة

لا أعرف، لم أقرا سابقا، لم أشاهد، ولم يخبرني أحد بقصة عن حيوان يرتجل، الحيوانات لا ترتجل على أغلب الظن، لا كتلك البديهة لمثل هذا الأمر، لا يمكن لها اختلاق فكرة جديدة في لحظة احتياجها لها، هي تمضي كما خطط لها، كما تعلمت من التجربة والخطأ والتكرار. الإنسان، البشر، وبشكل خاص المبدعون منهم هم من يمتلك هذه الميزة العليا، ميزة الارتجال؛ والذي هو: «إنجاز عفوي مباشر لفكرة فنية من غير تصميم أو تدوين سابقين». إذا الارتجال بوصفه فطنة فنية توظف في توقيت وزمان الاحتياج المبرر لها، ليس وكأنها استعراض بمقدرة ذهنية ناتجة عن تصميم مسبق، أو تفوق مترف بالقدرة على التخلص. الارتجال هو لحظة إجبار قاهرة، تضع العقلية المبدعة في مواجهة مباشرة مع قدرتها، مع وظيفتها، وأيضا، قبل كل شيء، مع فرادتها وتفوقها، والتي تدفع بالمرتجل، أو من يمتلك تلك القدرة العقلية النادرة على تخليص نفسه في ذلك الاشتباك الخلاق الذي قد يكون فكريا أو أدبيا، أو حتى، وهو ما تكرر كثيرا، يكون فارقا بين النجاة أو الهلاك، مثلما سيرد من أمثلة لاحقة..
يختلف الارتجال في ثقافات الأمم، فبينما نجده في الثقافة العربية غالبا ما يتمظهر في الأدب واللغة، والشعر بشكل خاص، نجده عند أمم أخرى يتمثل في الارتجال الموسيقي، أو الارتجال التمثيلي.
اشتهرت العديد من الأسماء على مدار التاريخ الأدبي العربي، بقدرته على مثل هذا الإنجاز، ولعل أول الأمثلة التي تتبادر إلى الذهن، هو ذلك الارتجال الذي قام به المتنبي في مجلس سيف الدولة، عندما، كما يقال، رمى سيف الدولة أبا الطيب بدواة الحبر فشج رأسه وهنا، قال بيته الشهير، والذي لم يكن ضمن قصيدته في الأصل، وإنما تفتقت عنه ذهنيته العبقرية المبتكرة، تحت وطأة المفاجأة غير السارة التي بدرت من صديقه وصفيه الأمير سيف الدولة، كان رد المتنبي:
إنْ كانَ سَرّكُمُ ما قالَ حاسِدُنَا
فَمَا لجُرْحٍ إذا أرْضاكُمُ ألَمُ
لا شيء يفوق متعة النظر إلى وجه سيف الدولة، بعد تلقيه هذا الرد الأدبي، من شاعره وصديقه المتنبي، لا شك أنه كان طافحا بألوان الندم والحزن على هذا الجرح وهذا الألم الذي دفعه المتنبي عن طيب خاطر كثمن بسيط لمسرة صديقه الأمير بكلام الوشاة.
من قصص الارتجال أيضا: «يروى عن أبي الخطاب عمرو بن عامر السعدي المعروف بأبي الأسد، وقد أنشد موسى الهادي شعراً مدحه به يقول فيه:
يا خير من عقدت كفاه حجزته
وخير من قلدته أمرها مضر
فقال له موسى: إلا من يا بائس؟
فقال واصلاً كلامه ولم يقطعه:
إلا النبي رسول الله إن له
فخراً وأنت بذاك الفخر تفتخر
ومن عجيب ما روي في الارتجال وسرعة البديهة حكاية أبي تمام حين أنشد أحمد بن المعتصم بحضرة أبي يوسف يعقوب بن إسحاق بن الصباح الكندي وهو فيلسوف العرب:
إقدام عمرو في سماحة حاتم
في حلم أحنف في ذكاء إياس
فقال له الكندي: ما صنعت شيئاً، شبهت ابن أمير المؤمنين وولي عهد المسلمين بصعاليك العرب! ومن هؤلاء الذين ذكرت؟ وما قدرهم؟ فأطرق أبوتمام يسيراً، وقال:
لا تنكروا ضربي له من دونه
مثلاً شروداً في الندى والباس
فالله قد ضرب الأقل لنوره
مثلاً من المشكاة والنبراس
ومن قصص الارتجال الطريفة، والتي أنقذت أصحابها، ما يحكى عن أن أبودلامة دخل على المهدي وعنده حشد من الوزراء والوجهاء، فقال له المهدي: والله لئن لم تهج واحدا ممن في هذا البيت لأقطعن لسانك. فنظر إلى القوم وتحير في أمره، وجعل ينظر إلى كل واحد فيغمزه بأن عليه رضاه. قال أبودلامة: فازددت حيرة فما رأيت أسلم لي من أن أهجو نفسي، فقال:
ألا أبلغ لديك أبـو دلامـة
فلست من الكرام ولا كرامة
جمعت دمامة وجمعت لؤما
كذاك اللؤم تتبعه الدمامـة
إذا لبس العمامة قلت قردا
وخنزيراً إذا نزع العمامة

بقلم : ضيف فهد

ضيف فهد