كتاب وأراء

شكسبير معلقا في الفضاء


طرحت هيلين ميرين رؤية عن أعمال شكسبير مستنكرة تدريس هذه الأعمال في المدارس.
وأشارت إلى أن شكسبير يجب أن يظل مادة مسرحية، وأن أفضل الطرق لاستقبال شكسبير والاندماج في نصوصه وتذوقها مع فهمها وتشرب حكمتها ومداليلها لا تتحقق إلا عبر المشاهدة المسرحية، وشكسبير في أصله كتب نصوصه للتمثيل وليس للقراءة، ولم يكن أهل زمنه يقرأون وإنما كانوا يشاهدون ويندمجون مع المشاهدة وتجسيد النصوص، وأي تحويل لها من نص ممسرح إلى نص مقروء يضر بجوهرها ويحولها إلى مادة تعليمية جافة، والطلبة الذين يدرسونها في المدارس ربما تعرضوا للملل منها بما أنها تتحول من المتعة إلى الإجبار والواجبات المدرسية والامتحانات، وستكون هدفا لطلب العلامات وليس لمحبة النص وطلبه بقصد وتعمد، كما يجري في حالة توجههم للمسرح.
تلك فكرة تثير عندي فكرة مماثلة عن تدريسنا لنصوص الشعر العربي، وتحويلها لمادة في المحفوظات المدرسية، مما يجعلها حملا ثقيلا يتعارض مع نظرية متعة النص، ولو أخذنا بفكرة ميرين عن شكسبير وحولناها لمنهجية حديثة عندنا، بأن يكون الشعر العربي مادة تمارس كما كان الشاعر القديم يفعل إذ كان يلقي شعره في جموع الناس وهم يستقبلونه مسموعا وحيا على الشفاه، ومصحوبا بلغة الجسد، مع التفاعل الحي المباشر والتلقائي فتتشربه النفوس، وكأنها تشرب كأس ماء يتغلغل في بنية الجسد، ويكون جزءا في تكوينه، ولا شك ان الشاعر الشعبي النبطي قد مارس هذه المهنة بإتقان وحيوية ناجحة ومؤثرة، ولعلها من أهم أسباب شيوع الشعر الشعبي اليوم، ولو اتخذنا هذا في مناهجنا بحيث تقوم الدراسة على فصول ممسرحة بقراءة الشعر العربي والتفاعل معه، فلربما حدث تغير نوعي في صناعة الذائقة وبناء الحالة الثقافية بمتعة وليس بمحفوظات قسرية وقمعية.
بقلم : عبدالله الغذامي

عبدالله الغذامي