كتاب وأراء

بوصلة الطموح

وإذا كانت النفوسُ كباراً
تعِبتْ في مرادها الأجسامُ
أزعم أنك لو طلبت من أي شخص أن يختصر لك المتنبي في كلمة واحدة فستكون الإجابة بلا تردد «الطموح»، فهو المتطرف بطموحه والمخلص له، لا يتنازل عنه ولا يتهاون في طلبه، يجوب البراري والمدن سعياً إليه ويرفض ملذات الدنيا إخلاصاً له وطمعاً في الوصول إليه وخوفاً من التقصير فيه.
وفي ذلك قال:
تغرّبَ لا مستعظماً غيرَ نفسِهِ
ولا قابلاً إلاّ لخالقِهِ حُكما
ودلّل في موضعٍ آخر:
قد كانَ أنعمَ من سيفي مضاجعةً
أشباهُ رونقهِ الغيدُ الأماليدُ
كان مخلصاً حازماً، لدرجة أنّه لم يأتِ بهذا الإبداع إلاّ تقرّباً من تحقيق طموحه، وتخيّل أن كل هذه المعجزات الشعرية لم تكن غاية المتنبي بل وسيلته! فرحلته التي امتدت من العراق إلى الشام فمصر فبلاد فارس، ومدحه لما يقارب الأربعين شخصا أو يزيدون بين حاكم ووال وأمير ووجيه، كل هذا لم يكن إلاّ لتحقيق الحلم المنشود.
ولا يخفى على أحد أن الرجل كان يطمح بالحكم وينشد الإمارة، وتجده مندفعاً نحو السلطة في نزعة نابليونية واضحة المعالم في شعره وسيرته، وفي هذا الجانب الطموح من شخصيته، أستشهد اليوم بالمتنبي في حديثي عما أسمّيه «الطموح الخادع»، وهو الطموح الذي يعتقد الإنسان أنه غاية الغايات ومكمل الناقصات وباب تحقيق الأمنيات في حين أن صاحبه نفسه يملك من الهبات والصفات والنعم المغدقات ما يتخطى هذا الطموح. فقد كان المتنبي في زمانه يملك ما يتخطى الإمارة، يملك الشهرة والموهبة والكاريزما والسلطة المعنوية المتمثلة بشعره الذي يطمع في مدحه المحكوم والحاكم ويخاف من هجائه الحاكم والمحكوم. وهذه أمور لا تجتمع إلا في ذي حظ عظيم.. أمّا في الألف سنة التالية لزمانه فهو الخالد الأشهر من أهل زمانه.. وخذ هذا المثال، لو خرج إلينا في هذا الزمان المتنبي وجميع أهل عصره بمن فيهم ممدوحوه وخصومه ومريدوه، لرأيت المتنبي محمولاً على أكتاف الجماهير أو لوجدته جالساً بكبريائه الطاغي تفد عليه الوفود من كل حدب وصوب، ولبقي عظماء عصره بيننا بلا مريد ولا متعصب ولا حتى حاسد.
وهنا أتساءل بحيرة مريرة، أليس هذا الخلود عبر مئات السنين أمرا عظيما يرضي نرجسية المتنبي وكان يجدر به أن يكتفي به عن السعي نحو الإمارة الزائلة؟! أو على الأقل ألم يكن الأحرى به ألا يكلّف نفسه ما لا طاقة لها به نحو طموحٍ خادع لا يحقق له عشر هذا الخلود؟
إلاّ أن «بوصلة طموح» المتنبي لم تكن تعمل بشكل جيد على ما يبدو!
المحزن أن المتنبي قبل ألف عام سأل نفسه هذا السؤال وأجاب عن السؤال بسؤال، فقال:
أين فضلي إذا قنعتُ من الدهرِ بعيشٍ معجلِ التنكيدِ؟!
والطريف أن هذا السؤال ورد في القصيدة التي يقول ابن جنّي أنّه أخذ لقب «المتنبي» بسببها!
مخرج:
الحياة حدث مؤقت فلماذا نشقى في سبيل الوصول إلى الحلول الدائمة؟..??

بقلم : صلاح العرجاني

صلاح العرجاني